الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العراق والتفكير الأحادي في فهم الظاهرة السياسية
محمد ساجت قاطع
كاتب وباحث عراقي
(Mohammed Sajit Katia)
2025 / 9 / 9
مواضيع وابحاث سياسية
يمثل التفكير الأحادي أحد أبرز التحديات الفكرية التي تواجه الأفراد والمجتمعات في قراءة الواقع السياسي. هذا النمط من التفكير يختزل الأحداث في ثنائيات صارمة: مع أو ضد، صحيح أو خاطئ، ثورة أو فوضى، داخلي أو خارجي، ويمنع العقل من استيعاب التعقيد والتعددية التي تفرضها الحياة السياسية.
في العراق، كما في العديد من المجتمعات التي تعيش تحولات سياسية واجتماعية معقدة، يبرز التفكير الأحادي كأحد أبرز المعوقات أمام فهم الظواهر السياسية والتفاعل الواعي معها. هذا النوع من التفكير يميل إلى اختزال الأحداث والقرارات في إطار ثنائي صارم إما صواب مطلق أو خطأ مطلق، إما مع أو ضد، دون إدراك التعقيد ولا وجود مساحة للمناطق الرمادية.
التفكير الأحادي يجعل جزءا من المجتمع يلتقط الحدث السياسي بسطحية، ويسقط عليه أحكاما مسبقة، بينما تغيب قراءة الأسباب والعوامل المتعددة على سبيل المثال، ينقسم الرأي العام غالبا بين من يعتبر السياسي “مصلحا كاملاً” ومن يعتبره “فاسدا مطلقا“ ، دون الإحاطة بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تحكم الأداء. وفي الاحتجاجات الشعبية، تصنّف الأحداث إما “ثورة مشروعة” أو “فوضى ضارة”، دون إدراك أن الظاهرة تحمل عناصر الحق والخلل معا.في العلاقة مع الخارج الخطاب الشعبي غالبا ما يتأرجح بين اعتبار التدخلات الدولية “إنقاذا” أو “احتلالا”، دون تحليل موضوعي لمصالح القوى الدولية وتقاطعاتها مع المصلحة الوطنية.
تتمثل انعكاسات التفكير الأحادي على المجتمع العراقي كبيرة، حيث يساهم في تغذية الانقسامات الاجتماعية والسياسية: إذ يؤدي الاختزال الثنائي للأحداث إلى تأجيج الصراعات بين المكونات والطوائف. وضعف الحوار والتفاعل البناء: يفضي إلى ثقافة الاتهام والشعارات الجاهزة بدلا من مناقشة الأسبابوالحلول الواقعية. وسهولة التلاعب الإعلامي والسياسي: إذ يصبح الرأي العام أكثر هشاشة أمام شعارات متطرفة أو حملات تضليلية. ويعزز مناخ عدم الثقة. كل ذلك يحد من قدرة الشعب على ممارسة ضغط واع لإصلاح النظام السياسي.
هنا تتجلى أهمية قاعدة “لا إفراط ولا تفريط”، التي تفرض على الفرد والمجتمع تجنب الانزلاق إلى التقييم المفرط أو التقليل من قيمة أي حدث أو موقف. هذه القاعدة، الموروثة من الفكر التربوي والديني، تدعو إلى التوازن في الحكم والتعامل مع الظواهر السياسية بموضوعية ووعي. فالسياسة ليست مسرحًا للقطاعات المطلقة، بل منظومة معقدة من المصالح والمواقف التي تتقاطع مع البنية الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية.
إن استمرار الذهنية الأحادية في فهم السياسة العراقية يطيل من عمر الأزمات ويجعلها أكثر تعقيدا. أما الانتقال إلى تفكير مركب، فهو ليس ترفا فكريا، بل شرط أساسي البناء وعي مجتمعي قادر على إنتاج حلول واقعية والخروج من دائرة الصراع والانقسام، فالمستقبل لن يبنى بعقلية الأبيض والأسود، بل بعقلية ترى جميع الألوان الممكنة.
يتيح التفكير المركب، المستند إلى قاعدة “لا إفراط ولا تفريط”، قراءة الأحداث من عدة زوايا، وفهم تداخل المصالح، وتقدير الإيجابيات والسلبيات في آن واحد. هذا التفكير يعزز من وعي المجتمع السياسي، ويتيح له ممارسة النقد البناء، والمطالبة بالإصلاحات بطريقة أكثر فعالية.
في النهاية، سيظل مستقبل العراق مرتبطًا بقدرة شعبه على تجاوز الثنائية المطلقة، والانتقال من عقلية الأبيض والأسود إلى عقلية ترى جميع الألوان الممكنة، وتوازن بين الحقائق والاختلالات، وفق قاعدة توازن أساسية: لا إفراط ولا تفريط.
***
» محمد ساجت السليطي (كاتب وباحث عراقي )
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الصحة في الكونغو الديمقراطية: ارتفاع حصيلة الحالات إلى 2344
.. آندي بيرنهام يتسلم مهام منصبه رئيسا لوزراء بريطانيا خلفا لكي
.. قصف إسرائيلي على منزل بمدينة غزة يوقع شهداء
.. وكالة سانا: إصابة طفلين إثر إطلاق جنود إسرائيليين النار باتج
.. الحرس الثوري: اشتعال ناقلتين عقب انفجار جنوب مضيق هرمز