الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تطغى الإثارة الرقمية على حرمة الحياة الخاصة: بين الضجيج الإعلامي والمسؤولية القانونية

خالد خالص

2025 / 9 / 10
دراسات وابحاث قانونية


1. من الخبر إلى فرط التعرية
لم تعد قنوات اليوتوب المتخصصة في الفضائح تكتفي بمهمة الإخبار. بل أصبح منطقها قائماً على استغلال الحياة الخاصة كـمادة خام. فخلاف أسري أو صورة مبتورة من سياقها أو رواية غير مكتملة يتحول إلى "مسلسل يومي" مثير.
وتمثل القضية الأخيرة المتعلقة بشابة "مؤثرة" او "صانعة المحتوى" التي ضبطت برفقة رجل متزوج بمنزله إثر شكاية من زوجته، بوضوح هذه الانحرافات. فالأحداث التي يفترض أن تبقى في دائرة المسطرة القضائية الخاصة، وتحاط بالسرية التي يفرضها القانون جرى تحويلها إلى فرجة رقمية جماهيرية، تغذيها صور واتهامات وتعليقات بلا تحقق ولا موضوعية.
2. ثقافة التشهير الاجتماعي
يكشف هذا الواقع عن تحول ثقافي مقلق: فقد انتقلت المحاكم كما انتقلت العقوبة الاجتماعية من المؤسسات إلى الشاشات. فالرأي العام، المستنفر عبر الصور الصادمة والعناوين المستفزة، يتحول إلى محكمة آنية. غير أن النتيجة لا تكون سوى مناخ من الشك والوصاية الأخلاقية السريعة، حيث يمكن القضاء على سمعة شخص في ساعات معدودة، بعيداً عن كل ضمانات الدفاع والحقوق الأساسية.
3. البعد الديني والأخلاقي
من منظور ديني، الإسلام شدّد على حرمة الأعراض وستر العيوب. يقول الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: 19).
فالآية صريحة في التحذير من التلذذ بنشر الفضائح وتضخيمها بين الناس. كما قال النبي ﷺ: "من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة" (رواه مسلم).
وبناءً على ذلك، فإن التشهير عبر المنصات الرقمية، حتى وإن تعلّق بأفعال خاطئة أو محرّمة، يبقى إثمًا مضاعفًا:
1. لأنه يخالف واجب النصح والستر، ويستبدله بالفضيحة والتشهير.
2. ولأنه يزرع في المجتمع ثقافة التجسس وتتبع العورات، بدل ثقافة الإصلاح والتقويم.
4. الإطار القانوني: بين حماية الحياة الخاصة والعقوبات الزجرية
من المهم التذكير بأن المنظومة القانونية المغربية واضحة في هذا المجال:
الدستور (الفصل 24) يضمن لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة.
القانون الجنائي (المواد 447-1 إلى 447-3) يجرّم نشر صور أو تصريحات للغير دون موافقته، مع عقوبات تصل إلى الحبس.
القانون 09-08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي يمنع أي معالجة أو نشر للصور والمعطيات دون ترخيص.
وعليه، فإذا كانت الأفعال المنسوبة إلى صانعة المحتوى أو مرافقها او صديقتها قابلة للمتابعة، - والأمر فيه مناقشة طويلة وعريضة - فإن نشر صورهم بشكل واسع على قنوات "يوتيوب" يشكل جريمة مستقلة بذاتها، تُرتب المسؤولية الجنائية والمدنية على أصحاب هذه القنوات وعلى الأشخاص الذين كانوا وراء هذا الضجيج.
5. بين حرية التعبير وأخلاقيات الإعلام
لا جدال في أن حرية التعبير والصحافة مكسب دستوري ثمين. غير أن هذه الحرية لا يمكن أن تتّخذ كذريعة لانتهاك الكرامة والحياة الخاصة. فالمؤسسات الإعلامية الجادة تعرف كيف توازن بين حق الجمهور في المعلومة وحق الأفراد في الاحترام؛ بينما التضخيم الرقمي الساعي وراء المشاهدات والأرباح من خلال الأدسنس، يضحي بالحقيقة وبالإنسان على مذبح الإثارة.
خاتمة
قضية الشابة وصديقتها ومرافقهم - الذين نشرت اسماؤهم وصورهم وصفاتهم والصقت بهم تهم رقمية قطعية ليست مجرد حادثة عابرة، بل هي جرس إنذار بشأن انحرافات إعلام رقمي بلا ضوابط، يحوّل الحياة الخاصة إلى "فضائح" ثم إلى فرجة علنية. وللتصدي لهذا الواقع، ينبغي أن تكون المواجهة مزدوجة: قانونية عبر التطبيق الصارم للنصوص التي تحمي الحياة الخاصة، وأخلاقية من خلال وعي جماعي بخطورة هذا التشهير المُمأسس.
فالعدالة وظيفتها أن تطبق القانون. أما الإعلام – ومعه ما اصبح يعرف بالمؤثرين او صانعو المحتوى الرقمي – فمسؤوليته أن يقول الحقيقة، بوعي ومسؤولية مع الحرص الشديد على احترام إنسانية وكرامة وخصوصيات الأفراد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول


.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع




.. تقرير حقوقي يرصد أوضاعا قاسية داخل أكبر مركز لاحتجاز المهاجر


.. أخبار الصباح | رسالة عاجلة من الأمم المتحدة.. أوقفوا الحرب ق




.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق