الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أمريكا -السنية والشيعية-: كيف حوّلت الطائفية إلى استراتيجية هيمنة؟

ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)

2025 / 9 / 10
السياسة والعلاقات الدولية


من يتتبع مسار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، يكتشف سريعاً أن واشنطن لم تُحدّد يوماً موقفها من المنطقة على أساس عقائدي أو أيديولوجي صافٍ، بقدر ما اعتمدت على إدارة التناقضات وتوظيف الهويات الدينية والمذهبية والقومية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية الكبرى، فقد استغلت واستثمرت -الولايات المتحدة- الخلل في بُنى القواعد الطائفية والدينية والاجتماعية في المنطقة العربية من خلال التعاون المشروط ومدّ جسور النفوذ، بحجة المصالح المتبادلة، فكانت تارة "جهادية" وأخرى "سُنيّة"، وتارة ثالثة "شيعية"، وأخيراً محسوبة على "الملة والجماعة"، وكله بما يضمن استمرار نفوذها.
بداية اللعبة تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين شجّعت الولايات المتحدة –بتنسيق مع دول عربية وإسلامية– على تعبئة "الجهاد الأفغاني" ضد الاتحاد السوفياتي، فتحت الحدود، وسُهّلت حركة "المجاهدين العرب"، ودُعمت تنظيمات دينية مسلّحة بالمال والسلاح والغطاء السياسي.
ومن رحم تلك التجربة خرج تنظيم "القاعدة" لاحقاً، الذي تحوّل إلى ذريعة لتشكيل تحالفات دولية تحت شعار "الحرب على الإرهاب"، رغم أن البذرة وُضعت برعاية _أمريكية، غربية، عربية) مشتركة، وما جرى لاحقاً مع "داعش" في العراق وسوريا لم يكن بعيداً عن هذا السياق: صناعة كيانات مسلّحة ذات طابع "ديني طائفي" ثم توظيفها في لعبة توازنات كبرى!
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، اختارت واشنطن أن تُعيد رسم معادلة السلطة على أسس طائفية، فدعمت القوى الشيعية في الحكم وأقصت المكوّن السني التقليدي، بحجة محاربة "السلفية الجهادية" وتنظيم القاعدة، كان ذلك التحوّل التاريخي بمثابة انقلاب على قرن كامل من التوازنات التي حكمت المشرق العربي، وأدى إلى تصاعد النفوذ الإيراني في بغداد، وهو ما سيعود ليُقلق واشنطن فيما بعد.
لم تتردّد الولايات المتحدة في محاربة التيارات السنية السياسية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، حيث جرى تصوير الإسلام السياسي السني كتهديد للأمن العالمي، لكن مع اندلاع الثورات العربية منذ عام 2011م، وجدت واشنطن نفسها مضطرة لإعادة الانفتاح على بعض الحركات الإسلامية، بل وحتى غض الطرف عن وصول "الإخوان" إلى الحكم في مصر لفترة قصيرة، قبل أن تتراجع وتدعم إقصاءهم!
مع تفاقم الأزمة السورية وتدخل قوى خارجية فيها منذ 2012م، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة جديدة: مواجهة تمدّد إيران وحزب الله في سوريا، وهنا فتحت قنوات دعم غير مباشرة لبعض الفصائل "السلفية والجهادية"، بما فيها جبهة النصرة سابقاً، عبر وسطاء إقليميين، كان الهدف تقويض نفوذ طهران في المشرق وإضعاف ذراعها اللبناني، حتى لو كان الثمن التحالف مع جماعات مُدرجة، وفق المنطق الأمريكي والغربي، على قائمة "الإرهاب"!
بعد سقوط نظام "الأسد"، عادت واشنطن إلى دائرة جديدة من التناقض: فهي تُعيد الانفتاح على دمشق بتركيبتها الجديدة "السنيّة الأنصارية" التي قدّمت سوريا، ضمن أحلاف الضرورة، كـ"عدو محتمل" لمواجهة إيران وحزب الله، ثم دعمت حقوق الأقليات السورية (خاصة الدروز والأكراد) بحجة حماية المكونات الاجتماعية والدينية في البلاد، فأصبحت هذه الأقليات اليوم حليفة لكيان الاحتلال ضد وطنها الأم! وكأن الولايات المتحدة تقول لسوريا الجديدة ولجميع العرب: (نحن مع أي طرف يوازن مصالحنا ويحدّ من نفوذ خصومنا، كنّا شيعة عند احتلال العراق وأفغانستان، واليوم "سنّة" بل ومن "الملّة والجماعة" في سبيل القضاء على حزب الله وإيران).
لم تكتفِ السياسة الأمريكية في المنطقة بإعادة تشكيل التحالفات على أسس مذهبية، بل ساهمت بشكل مباشر في تفكيك مفهوم الأمن القومي العربي الذي كان يقوم – نظرياً– على حماية الأمة من أي تهديد خارجي، وفي مقدّمته الكيان الصهيوني، فمع دخول العامل الطائفي إلى صلب المعادلات السياسية منذ مطلع الثمانينات، (ثورة الخميني، غزو أفغانستان، حرب العراق وايران) تحوّل الأمن القومي إلى أمن مذهبي وطائفي.
فأصبح الأمن الوطني في لبنان أسيراً لمعادلة "شيعة– سنّة- مسيحيين"، بدل أن يكون موجّهاً ضد العدو الإسرائيلي، وتحولّت سوريا من دولة مواجهة إلى ساحة صراع مذهبي وعرقي ودولي مفتوح، واليمن من مشروع دولة إلى حرب استنزاف طائفية، والعراق من مركز حضاري عربي إلى ساحة انقسام بين نفوذ شيعي مدعوم من إيران، وتهميش للمكوّن السني.
وكل دولة باتت ترى في مكوّنها الطائفي تهديداً داخلياً أو سنداً خارجياً، بدل أن ترى في إسرائيل مصدر الخطر المركزي، هكذا انشغلت العواصم العربية في صراعات داخلية مذهبية وعرقية، بينما تمدّد النفوذ الإسرائيلي في قلب المنطقة ودولهاّ، وأصبح كيان الاحتلال وشريكه الأمريكي اللاعبين الأكثر أماناً واستقراراً في المنطقة، فيما تغرق العواصم العربية في صراعاتها الداخلية والطائفية اللامتناهية.
الخط البياني للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يكشف بوضوح استخدم الهوية الدينية لتكريس النزاع والانقسام العربي، فتتغّيّر التحالفات "الطائفية" متى تبدّلت المصلحة، والنتيجة أن شعوب المنطقة تدفع ثمن هذا "الاستثمار القذر" في الانقسام الطائفي والمذهبي، فيما تبقى واشنطن وإسرائيل الرابح الأكبر من لعبة "هندسة الطوائف والمِلل" التي أنهكت الأمن القومي العربي وحوّلته إلى أمن طائفي هش، يُبقي الباب واسعاً أمام استمرار استراتيجية الهيمنة "الصهيوأمريكية" على مُقدّرات الأمة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. موجز الأخبار| الرئاسة السورية: التوصل إلى تفاهم مع قسد حول ق


.. العربية تدخل سجن الهول بعد سيطرة الحكومة السورية عليه




.. خارج الصندوق | مسؤولة كردية تطلب دعم إسرائيل ضد الحكومة السو


.. تباهى خلاله بإنهائه 8 حروب.. الرئيس دونالد ترمب يطوي عامه ال




.. عام لترمب في الرئاسة.. قراراتٌ وتحالفاتٌ وصفَقاتٌ قلبت موازي