الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


لبنان و-سلاح- حزب الله: بين معادلات الداخل ووصاية الخارج

ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)

2025 / 9 / 10
السياسة والعلاقات الدولية


يُشكّل ملف "سلاح حزب الله" أحد أكثر القضايا حساسية وإرباكاً في لبنان، إذ يتقاطع في آن واحد مع التوازنات الداخلية الهشة ومع معادلات الصراع الإقليمي والدولي، مؤخراً دعا رئيس مجلس النواب "نبيه بري" إلى "حوار وطني هادئ" حول هذه القضية، ورفض مطلقاً الضغط الأميركي لنزعٍ فوري، فيما تستعدّ الحكومة للموافقة على تنفيذ خطة قدّمها الجيش اللبناني بدعمٍ وطرحٍ أميركي، والحزب يربط أي نقاش بوقف الضربات وانسحابٍ إسرائيلي كامل من نقاط وقرى الجنوب المحتّل.
تطرح هذه الأزمة اليوم، أخطر سؤال يحاول لبنان الرسمي الإجابة عليه: ما مدى إمكانية فرض نزع سلاح حزب الله أو دمجه ضمن المؤسسة العسكرية ودياً، وما هي الضمانات الواقعية التي يمكن أن تحمي أي تسوية من الانهيار أو الانسياق إلى نفق حرب داخلية، في ظل تدخلات خارجية مكثفة من الولايات المتحدة وإيران، واستعداد إسرائيل لاستغلال أي فراغ لمزيد من التوسع جنوباً؟
منذ حرب 2006 وما تلاها، ظل سلاح الحزب خارج سيطرة الدولة المباشرة تحت عنوان "المقاومة" ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنّ التطورات منذ أكتوبر 2023، ثم الحرب الدامية في 2024، أعادت الملف إلى الواجهة بقوة، بعدما تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان رغم توقيع وقف إطلاق النار في نوفمبر من ذلك العام.
ويقدّم الحزب هذه الوقائع كدليل على أن سلاح الردع ما زال ضرورة وجودية، فيما ترى الولايات المتحدة أنّ اللحظة مؤاتيه للضغط على لبنان من أجل إدماج السلاح أو نزعه تدريجياً، وهو ما يترجم بطرح خطط ومقترحات داخل أروقة الدولة اللبنانية.
خارجياً، تتحرك واشنطن بدافع مزدوج؛ حماية أمن إسرائيل من جهة، وإعادة تشكيل الدولة اللبنانية بما يجعلها أكثر قابلية للاستقرار والشراكة الاقتصادية من جهة أخرى، وهي لا تتردّد في استخدام ورقة المساعدات العسكرية والاقتصادية للضغط على بيروت.
في المقابل، تعتبر طهران أن أي إضعاف لحزب الله هو انتقاص مباشر من نفوذها الإقليمي، لا سيما بعد الضربات المتتالية التي تعرّضت لها مصالحها في سوريا والعراق، أما إسرائيل فهي المستفيد الأول من نزع السلاح، إذ يسهل عليها خلق "مناطق عازلة" في الجنوب وربما توسيع رقعة الاحتلال بذريعة الأمن الاستباقي، وهو منطق اعتمدته مراراً منذ اجتياح 1982م.
ومع اقتراب إنهاء مهمة قوات "اليونيفيل" بشكل تدريجي حتى نهاية 2026، تتزايد المخاطر الأمنية على الحدود، ما يفرض على لبنان أن يجد بدائل محلية أو إقليمية تمنع الانزلاق نحو فراغ كامل، فالداخل اللبناني منقسم بدوره؛ بعض القوى السياسية ترى في نزع السلاح فرصة لتقليص نفوذ الحزب وإعادة التوازن إلى القرار الوطني، فيما تخشى الطائفة الشيعية ومعها شرائح واسعة من اللبنانيين أن يشكل ذلك إضعافاً لخط الدفاع الوحيد في وجه إسرائيل.
أما الجيش اللبناني، فيجد نفسه بين مطرقة العجز وسندان التكليف، إذ يخشى من تكليف فوق طاقته، قد يهددّ الأمن والسلم الأهلي، فيما تنظر الطبقة الوسطى والشارع المُتعب إلى كل هذه السجالات بوصفها تهديداً إضافياً لاستقرارهم المعيشي وحياتهم اليومية، وتبحث عن أي صيغة تحفظ الحد الأدنى من الأمن والاستقرار.
السيناريوهات المطروحة أمام لبنان متباينة؛ منها التسوية المرحلية التي تقوم على انسحاب إسرائيلي من نقاط حدودية متنازع عليها مقابل إعادة انتشار قوات الحزب بعيداً عن الشريط الحدودي وتعزيز دور الجيش، وهو خيار قد يوفّر معادلة ردع تحت إشراف الدولة.
ومنها النزع القسري الذي قد يُفرض بضغط خارجي ويؤدي إلى مواجهات داخلية أو حتى حرب أهلية، وهناك أيضاً احتمال استمرار الوضع القائم، حيث يبقى السلاح خارج سيطرة الدولة مع حوار مفتوح بلا نتائج واضحة، وهو ما يعني عملياً استمرار الخروقات الإسرائيلية، أما أسوأ السيناريوهات فهو انهيار أي تفاهم واندفاع إسرائيل نحو عملية عسكرية واسعة تفرض من خلالها منطقة عازلة جديدة، بما يكرر سيناريو الاحتلال في الثمانينات.
الحلول الممكنة تتراوح بين صياغة استراتيجية دفاعية وطنية تدمج قدرات الحزب ضمن عقيدة عسكرية مكتوبة تحت إمرة الدولة، وبين ترتيبات حدودية بضمانات دولية تفرض انسحاباً إسرائيلياً متزامناً مع التزامات لبنانية واضحة، مع أهمية الحوار الوطني الملزم بجدول زمني، والذي قد يشكل مدخلاً للتفاهم، لكنه يحتاج إلى مظلة رئاسية وغطاء سياسي واسع.
ونعتقد أن الحل الأفضل اليوم هو فكرة "الاستفتاء الشعبي"، فرغم غياب النص الدستوري الذي يتيحها، فإنها قد تكون خياراً رمزياً يوفّر شرعية شعبية لأي قرار مستقبلي، ويُخرج الملف من دائرة التجاذبات الطائفية والوصاية الخارجية، غير أن الاستفتاء بحد ذاته قد يصبح ساحة لانقسام حاد إذا لم يُدار بحكمة ويُمهّد له بمصالحة سياسية حقيقية.
لبنان اليوم أمام مفترق طرق صعب؛ إما الدخول في تسوية تحفظ سيادته وتوازناته الداخلية ولو بحدها الأدنى، أو الانزلاق نحو مواجهات داخلية وخارجية مدمرة، وفي ظل غياب بديل مؤسساتي حقيقي، يبقى سلاح حزب الله ملفاً وجودياً أكثر منه سياسياً، بينما الاستفتاء، إذا ما جرى، قد يشكل وسيلة لإضفاء شرعية شعبية على القرار، لكنه يحتاج إلى بيئة حوارية تسبقُه وتؤطّره، لتجنيب البلاد حرباً جديدة، أما تجاهل القضية أو فرض حلول من الخارج، فسيعني بالضرورة إعادة إنتاج أزمات لبنان التاريخية بدل حلّها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. حزب الله يفتح النار على الدولة اللبنانية.. ونعيم قاسم: أمن ل


.. رسائل أميركية مزدوجة لإيران.. هل الضربة مستبعدة أم مؤجلة؟ |




.. انهيار القطاع الصحي في غزة يهدد حياة مرضى الفشل الكلوي


.. مراسل الجزيرة يرصد آخر تطورات الأوضاع الإنسانية والميدانية ف




.. شاهد| لحظة تفجير الجيش السوري للغم زرع على طريق سد تشرين بري