الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الغضب الترامبي على الهند , أسبابه و تداعياته

آدم الحسن

2025 / 9 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


المتابع لعلاقات الهند مع دول العالم المختلفة سيجد ان هنالك عدة تحولات هامة حدثت لهذه العلاقات منذ استقلال الهند عن المستعمر البريطاني و لحد الآن , هذه المفترقات التي مرت بها علاقة الهند الخارجية كانت تتمحور حول علاقة الهند بالأقطاب السياسية الأساسية الفاعلة في الساحة الدولية , و قد كان للهند أثرا كبيرا و واضحا في تحديد الصورة العامة للتوازنات الدولية و خصوصا في المنطقة الممتدة من الشرق الأوسط لغاية منطقة جنوب شرق اسيا .
لقد اتسمت الصفة العامة لسياسة الهند الخارجية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية و دخول الساحة الدولية في مرحلة الحرب الباردة بين الكتلة الشرقية و حلفها حلف وارشو بقيادة الاتحاد السوفيتي و الكتلة الغربية و حلفها حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بعدم الانحياز لأي من طرفي الصراع الدولي , فلقد اتخذت الهند سياسة واضحة تميزت بالحياد و عدم الدخول في أي محور كي لا تكون ضد محور آخر , و كانت الهند ركنا اساسيا من اركان حركة عدم الانحياز التي شملت طيف واسع من دول العالم الثالث , هذا العالم الذي شمل معظم الدول التي لم تكن تنتمي لأي من الحلفين العسكريين الناتو و وارشو .
رغم أن سياسة الهند في فترة الحرب الباردة كانت حيادية , لكن حيادها كان حيادا إيجابيا حيث كان تعاونها مع الاتحاد السوفيتي السابق واضح و متين و كانت شريكة له في إسناد حركات التحرر الوطني التي نشطت في تلك الفترة للتحرر من الاستعمار بأشكاله القديمة .
في فترة الحرب الباردة , ادرك قادة الكتلة الغربية و على رأسهم قادة أمريكا أن ليس من مصلحة دولهم معاداة الهند بسبب سياستها الايجابية في نصرة و دعم حركات التحرر الوطني , تلك الحركات التي اجتاحت دول العالم الثالث و خصوصا دول قارة أفريقيا التي كانت ترسخ تحت ظلم ابشع انواع الاستعمار من قبل دول اوربا الغربية , لقد قبل المعسكر الغربي حيادية الهند كي لا تنحدر الهند نحو المعسكر الشيوعي و تأثرها بالتجربة الشيوعية في الصين .
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي و انتقال العالم الى مرحلة القطب الأمريكي الأوحد , بدأت أمريكا و معها حلفائها سعيهم لسحب الهند الى معسكرهم , لكن الهند بحجم كتلتها البشرية يتعذر سحبها الى صف القطب الأمريكي لكون ذلك يتطلب تقديم دعم اقتصادي للهند أكبر من قدرة كل الدول الغربية مجتمعة على تحمله . و بذلك حافظت الهند على قدر كبير من موقفها الحيادي فكانت هي احدى الدول المؤسسة لمجموعة بريكس بالاتفاق الذي ضم الصين و روسيا و البرازيل و جنوب افريقيا , و زادت الهند من تقوية علاقتها مع قادة دول الجنوب العالمي و انضمت الى منظمة شنغهاي للتعاون الذي تقوده الصين و وسعت من تعاملها التجاري مع روسيا .
لقد وجد قادة امريكا أن استخدام سياسة التحدي و العداء تجاه الهند سيدفعها أكثر نحو الصين و روسيا فاتبعوا سياسة الإغراء , و على هذا المسار نجحت أمريكا في تشكيل تحالف اقتصادي و امني جديد ضم الهند و أمريكا و اليابان و استراليا و اطلق عليه تحالف كواد , إن أهم غايات كواد الأساسية هو انعاش الاقتصاد الهندي من خلال جعل الهند مصنع جديد للعالم بدلا عن الصين , لكن ما حصل هو أن تحالف كواد خدم الهند و لم يتسبب بأي ضرر للصين .
بعد صعود الرئيس ترامب لكرسي الرئاسة الأمريكية مرة ثانية , جعل مهمة رئاسته لأمريكا هي إعادة أمريكا عظيمة مرة أخرى و اتباع سياسة جديدة تحت شعار " أمريكا أولا " .
من خلال مراجعة الرئيس ترامب لعلاقة امريكا بالهند , فوجد أن الهند تقف في صف تحالف جديد يعمل على انهاء مرحلة القطب الأمريكي الأوحد و بناء اسس جديدة و راسخة لعالم متعدد الأقطاب اكثر عدلا , و الأركان الأساسية لهذا العالم الجديد هما منظمة شنغهاي للتعاون و مجموعة بريكس التان اخذتا تتوسعان بضم دول عديدة أخرى اليهما , و إن الهند ترفض ترك هذه المنظمات و انها بالعكس اخذت توسع علاقتها الاقتصادية و العسكرية مع روسيا , و روسيا تبيعها نفط بأسعار مخفضة , بالإضافة لكل هذا وجد الرئيس ترامب أن التبادل التجاري بين أمريكا و الهند يصب في مصلحة الهند على حساب امريكا بفائض تجاري لصالح الهند تجاوز الخمسين مليار دولار سنويا , و إن هذا الفائض في طريقة للصعود أكثر مما سيزيد من المشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي , هذه الأسباب و اسباب أخرى أقل أهمية أجبرت الرئيس الأمريكي على اشعال حرب تجارية بين أمريكا و الهند بفرض رسوم جمركية تجاوزت ال 50% على السلع و الخدمات التي مصدرها الهند حتى لو كانت هذه السلع تصنعها شركات أمريكية تعمل في الهند .
بعض المحللين اعتبروا أن سياسة الرئيس ترامب تسببت في دفع الهند باتجاه الصين و روسيا , هذا الامر صحيح , لكن الرئيس ترامب كان أمام خيارين , إما القبول بالعلاقة السابقة بين أمريكا و الهند و التي يجدها علاقة غير عادلة تصب في مصلحة الهند على حساب مصالح أمريكا الاقتصادية و المستفيد منها الهند و إن هذه العلاقة لا تضعف من قدرة الصين على الاستمرار في النهوض و التحول الى القوة العظمى الأولى في العالم اقتصاديا و علميا و تكنولوجيا , أو أن يختار الخيار الثاني و المتمثل بعدم جدوى ارضاء الهند من خلال اتفاقية كواد أو غيرها من الاتفاقيات فالهند اعتمدت سياسة " الهند أولا " قبل أن يتبنى الرئيس ترامب سياسة " أمريكا أولا " , لذلك اختيار الرئيس ترامب الخيار الثاني لكونه الخيار الاقل ضررا على أمريكا , فقد اصبح على امريكا أن تختار الحلول الواقعية المبنية على الاعتراف بأن عصر هيمنة دول الشمال العالمي على دول الجنوب العالمي قد انتهى بنهاية مرحلة القطب الأمريكي الأوحد .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مصادر للجزيرة: تشكيل لجنة تحقيق عراقية إيرانية مشتركة


.. الاجتماع الإيراني الخليجي في عُمان.. خطوة نحو التهدئة بمضيق




.. مسؤول عراقي للجزيرة: تواصل أمني مستمر لإطلاع السعودية على ال


.. أكثر من 20 غارة جوية تستهدف مواقع للحوثيين في البيضاء ومأرب




.. الأسبوع وما بعد | من إيران إلى أميركا.. تداعيات تهديد الحوثي