الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الاقتصاد العراقي يتجاوز طاقته الاستيعابية: مؤشرات النصف الأول 2025
سهام يوسف علي
2025 / 9 / 11الادارة و الاقتصاد
تكشف بيانات المالية العراقية للنصف الأول من عام 2025 عن واقع صعب يواجه الاقتصاد الوطني، ويؤكد محدودية قدرته الاستيعابية في ظل الهيكل الريعي المعتمد على النفط. إذ بلغ إجمالي الإيرادات 62 تريليون دينار، معظمها من الإيرادات النفطية التي بلغت 56.7 تريليون دينار، بينما بلغت الإيرادات غير النفطية 6.2 تريليون دينار فقط. هذا التفاوت الكبير يعكس ضعف القطاعات الإنتاجية غير النفطية، ويشير إلى أن الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على النفط لتغطية احتياجات الإنفاق العام، ما يجعله في حالة حرجة عند أي زيادة في الطلب على الموارد المالية.
فمع اعتماد الإيرادات الحكومية بنسبة 91.5% على النفط، وتراجع الإيرادات غير النفطية بنحو 14%، يتضح أن الاقتصاد الوطني لم يعد يعمل ضمن قدرته الإنتاجية الفعلية، بل تجاوزها إلى مساحة خطرة من الاختلال الهيكلي.
هذا التجاوز يتجسد في فجوة متنامية بين الإنفاق والقدرة الإنتاجية المحلية، إذ يقود التدفق المالي النفطي إلى تحفيز الطلب الكلي عبر الأجور والإنفاق الاجتماعي، فيما يعجز القطاع غير النفطي عن تلبية هذا الطلب. النتيجة هي تضخم ضغوط الاستيراد، حيث تتسرب الثروة إلى الخارج بدلاً من تدويرها محلياً. وهنا يظهر جوهر المشكلة: اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، ويموّل هذه الفجوة عبر إيرادات خارجية لا تمت بصلة إلى النشاط الإنتاجي المحلي.
إن هذا الوضع لا يشير إلى خلل عابر في دورة اقتصادية قصيرة، بل إلى حالة من الخلل البنيوي المزمن، حيث أصبح الاقتصاد يعمل بما يفوق طاقته الاستيعابية الحقيقية. فالإنفاق الحكومي المرتفع يعكس قوة نقدية متولدة من الريع النفطي، لكنه لا يجد مقابلاً في الإنتاج المحلي، ما يؤدي إلى تضخم مستورد، واستنزاف للاحتياطيات الأجنبية، وانفصال بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الحقيقي.
على جانب الإنفاق، بلغ إجمالي النفقات 56.69 تريليون دينار، مع استحواذ النفقات الجارية على الجزء الأكبر لتصل إلى 52.75 تريليون دينار، بما فيها الرواتب والأجور البالغة 30 تريليون دينار والرعاية الاجتماعية 13 تريليون دينار. بينما تراجعت النفقات الاستثمارية إلى 3.94 تريليون دينار فقط، وهو ما يعكس تحوّل التركيز نحو تغطية الالتزامات الجارية على حساب دعم الإنتاجية وتنمية الاقتصاد. هذا النمط من الإنفاق يشير إلى أن الاقتصاد العراقي لا يوسع قاعدة إنتاجه بما يكفي لاستيعاب الطلب الإضافي، ما يجعل أي زيادة في الإنفاق تتحول إلى ضغط على الموارد والاحتياطيات بدلاً من تحفيز نمو حقيقي.
تشير بيانات السلف والفائض المالي أيضًا إلى حدود القدرة الاستيعابية، حيث بلغت السلف 4.22 تريليون دينار فقط، والفائض المالي 5.3 تريليون دينار، ما يدل على أن الاقتصاد يقترب من حدود ما يمكن دعمه من الإنفاق دون توليد اختلالات مالية أو نقدية. بالتالي، يظهر أن الطلب على الموارد النقدية والسلعية يفوق قدرة الاقتصاد على توفيرها، وهو ما يمثل تجاوزًا فعليًا للطاقة الاستيعابية للاقتصاد العراقي.
بالإضافة إلى ذلك، ارتفع الدين الداخلي إلى 92.200 ترليون دينار في نهاية آب 2025، مع ارتفاع أقساط خدمة الدين الداخلي إلى أكثر من 3 ترليون دينار خلال الفصل الأول من 2025. هذا الارتفاع يعكس اعتماد الحكومة على الاقتراض الداخلي لتغطية فجوة الإنفاق، وهو مؤشر مباشر لتجاوز الطاقة الاستيعابية للاقتصاد ,فالاعتماد على الدين الداخلي يضع ضغوطا على الموازنة المستقبلية ويحد من القدرة على الاستثمار في القطاعات الإنتاجية التي يمكن أن تدعم النمو المستدام.
من منظور اقتصادي، يمكن استنتاج تجاوز الطاقة الاستيعابية من ثلاثة مؤشرات رئيسية: أولاً، الاعتماد شبه الكلي على الإيرادات النفطية مع ضعف الإيرادات غير النفطية، مما يحد من قدرة الاقتصاد على تمويل الإنفاق من الداخل. ثانيًا، ارتفاع النفقات الجارية مقابل ضعف الاستثمار الإنتاجي، ما يمنع الاقتصاد من امتصاص الطلب الإضافي على الموارد. ثالثًا، محدودية أدوات التمويل المتاحة، مثل السلف والفائض المالي، التي تجعل أي دعم إضافي للإنفاق ممكنًا فقط عبر ضغط على الاحتياطيات أو تراكم الدين الداخلي، مع آثار محتملة على التضخم واستقرار سعر الصرف.
في ضوء هذه المعطيات، يظهر أن النصف الأول من عام 2025 يمثل مرحلة حرجة للاقتصاد العراقي، إذ تجاوز الإنفاق العام الموارد الفعلية للاقتصاد، بينما الاستثمار الإنتاجي محدود، ما يترك الاقتصاد في حالة هشاشة أمام أي زيادة إضافية في الطلب على الموارد. الحفاظ على الاستدامة المالية واستقرار الاقتصاد يتطلب إصلاحات حقيقية، تشمل ضبط الإنفاق، تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتحفيز الاستثمار الإنتاجي لتوسيع الطاقة الاستيعابية، وهو ما يعد ضرورة عاجلة لتجنب آثار سلبية على التضخم واستنزاف الاحتياطيات واستقرار سعر الصرف.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تداعيات الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية وأثرها عل
.. تعمير -لقاء مع د/خالد أبو زهرة وحوار بخصوص تعديلات قانون الض
.. إغلاق مضيق هرمز يرفع أسعار النفط ويزيد المخاوف من اضطراب الإ
.. تعمير - تعرف على الاعفائات داخل تعديلات قانون الضريبة العقار
.. تعمير - د/خالد أبو زهرة: الدولة تستهدف حصيلة أقل من الضريبة