الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حزين
خيرالله قاسم المالكي
2025 / 9 / 12الادب والفن
كلما حاولتُ تلمُّسَ شيءٍ يخصُّني، لم أجِدْهُ. كان يَهْرُبُ من بين أصابعي، يَتَهَشَّمُ، ثم يَخْتَفي في شَقٍّ يَتَعَمَّقُ في الجدار.
لكنَّ الجدارَ لم يعد جدارًا. كان كائنًا حيًّا يتنفَّسُ بُطْءً، يَرْتَجِفُ حين ألمسُه، ويَفْتَحُ شقوقَه وكأنها أفواهٌ صغيرةٌ تستعدُّ للكلام.
وقال لي بصوتٍ يشبهُ حَفيفَ الريح في أنفاقٍ مهجورةٍ: «أتعرفُ من أنت؟ أنت ظلٌّ يمشي بلا جسد، أنت سؤالٌ يتيمٌ يبحثُ عن أبٍ من المعنى.»
اِرْتَعَدْتُ. لم أكن أتوقَّعُ أن يسألني جدارٌ عن هُوِيَّتي. فقلتُ له، وصوتي يكادُ ينقطع: –– أَنَا إِنْسَانٌ أَضَاعَ نَفْسَهُ في نِصْفِ الطَّرِيق.
فأجاب: «أَنْتَ لَسْتَ إِنْسَانًا كَامِلًا... أَنْتَ نِصْفَان: نِصْفٌ يَنْهَارُ فَوْقَ يَدَيْ، وَنِصْفٌ يَنْتَظِرُ أَنْ يَكْتَمِلَ حُزْنُك. حين يَكْتَمِلُ، سَتَعُودُ إِلَيَّ. فَأَنَا أَنْتَ... لكن في صُورَةِ حَجَر.»
قلتُ متسائلًا: –– وَلِمَاذَا أَنَا حَجَرٌ في مِرْآكَ، وَلَسْتُ لَحْمًا وَدَمًا؟
٭ ابْتَسَمَتْ شُقوقُهُ. «لأَنَّ اللَّحْمَ يَفْنَى، وَالدَّمَ يَجِفُّ، أَمَّا الحَجَرُ فَيَبْقَى شَاهِدًا عَلَى بُطْلَانِ الوُجُود. أَلَمْ تَسْأَلْ نَفْسَكَ يَوْمًا: مَا جَدْوَى أَنْ تَحْيَا إِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَذُوبُ؟»
أَحْسَسْتُ أَنَّ صَوْتَهُ يَثْقُلُ عَلَى رُوحِي. قلتُ: –– لَكِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أَعِيشَ... أَنْ أَجِدَ نَفْسِي.
رَدَّ عَلَيَّ بِصَرَامَةٍ غَامِضَةٍ: «وَمَنْ قَالَ إِنَّ نَفْسَكَ في الخَارِج؟ إِنَّهَا هَاهُنَا... مَرْكُومَةٌ في دَاخِلِي، بَيْنَ طَبَقَاتِ الطِّينِ وَالرَّمَاد. أَحْلَامُكَ، طُفُولَتُكَ، وُجُوهُ أَحِبَّتِكَ... كُلُّهَا مَحْفُوظَةٌ في مَسَامِّي. أَنَا لَسْتُ عَدُوَّكَ... أَنَا ذَاكِرَةُ وُجُودِكَ.»
سَكَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَرْدَفَ: «الحُزْنُ لَيْسَ ضَعْفًا... الحُزْنُ هُوَ النَّافِذَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي تُطِلُّ مِنْهَا عَلَى المَعْنَى. بِدُونِ الحُزْنِ سَتَعِيشُ كَالسَّطْحِ: أَمْلَسُ، بِلا أَثَر. أَمَّا مَعَهُ، فَأَنْتَ صَدْعٌ مَفْتُوحٌ، وَفِي الصُّدُوعِ فَقَطْ يُولَدُ النُّور.»
أَحْسَسْتُ أَنَّ الجِدَارَ لَمْ يَعِظْنِي، بَلْ كَانَ يُعَلِّمُنِي أَنَّ الوُجُودَ نَفْسَهُ صَدْعٌ، وَأَنَّنَا لَا نَكُونُ إِلَّا حِينَ نَنْكَسِر.
قُلْتُ أَخِيرًا، وَأَنَا أَحْسُ بِرِجْفَةٍ تَمْشِي في أَعْمَاقِي: –– إِذَنِ النِّهَايَةُ لَيْسَتْ مَوْتِي؟
٭ ابْتَسَمَ مَرَّةً أُخْرَى، وَانْفَتَحَتْ شُقوقُهُ كَابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ: «النِّهَايَةُ لَيْسَتْ مَوْتَكَ... النِّهَايَةُ أَنْ تَفْقِدَ السُّؤَال. طَالَمَا تَسْأَلُ، فَأَنْتَ تَبْدَأُ مِنْ جَدِيد، وَلَوْ كُنْتَ حَجَرًا.»
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل