الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العراق بين سُمّ المخدّرات وسوق الأعضاء
حامد الضبياني
2025 / 9 / 13قضايا ثقافية
العراق اليوم، وهو يترنّح بين جراح الأمس ودماء الحاضر، يعيش مأساة جديدة أشدّ مرارة من الحروب التي التهمت أجياله. مأساة لا تُعلن نفسها في نشرات الأخبار الرسمية بقدر ما تنمو في الأزقّة المظلمة، وتزحف إلى أرواح الشباب في صورة أقراص وأبر ودخان، ثم تمتدّ إلى جسد الفقير الذي يُستباح في صفقات سرّية، حيث يُباع كبده أو كليته كما تُباع الأثاث المستعمل. هي حرب أخرى، حرب بلا مدافع ولا دبابات، لكنها أشدّ فتكًا لأنها تستهدف الإنسان ذاته: عقله وجسده وروحه.المخدّرات في العراق لم تعد ترفًا عابرًا لبعض المنهزمين أمام قسوة الحياة، بل تحوّلت إلى وباء منظم، تُديره شبكات عابرة للحدود، تتغذّى من الفقر والبطالة واليأس، وتجد في هشاشة المجتمع سوقًا رائجًا. الشاب الذي كان يمكن أن يكون شاعرًا أو مهندسًا أو طبيبًا، بات يُقاد إلى زاوية ضيّقة، يبحث فيها عن حبة صغيرة تنسيه عالمًا كبيرًا من الخيبات. وهكذا يُسرق المستقبل قبل أن يولد، ويُذبح الأمل من الوريد إلى الوريد.وفي الجهة الأخرى من الجريمة، تقف تجارة الأعضاء كوحش أشدّ توحشًا. أجساد الفقراء تحوّلت إلى بنك دم مفتوح، يُستغل فيه المقهورون الذين لا يملكون سوى لحمهم ليبيعوه بثمن بخس مقابل وجبة طعام أو سداد دين. في غرف عمليات مشبوهة، وفي مستشفيات تواطأت مع السماسرة، يُفكّك الإنسان كما تُفكّك السيارة القديمة، ثم يُلقى به في الشارع ناقصًا، هشًّا، بلا مستقبل ولا كرامة. إنّها تجارة لا تقتل الجسد فحسب، بل تقتل الروح والإنسانية في أوضح صورها.كلا الطاعونين، المخدّرات وسوق الأعضاء، يشتركان في شيء واحد: تواطؤ الصمت والفساد. هناك دائمًا سلطة تغضّ الطرف، وميليشيا تحمي، وموظف مرتشٍ يوقّع، ومجتمع يائس يكتفي بالأنين. العراق، الذي علّم البشرية الكتابة، يُراد له اليوم أن يُمحى من دفتر الحضارة، لا بالاحتلال وحده، بل بتحويل إنسانه إلى سلعة تُباع وتُشترى.إنّ أخطر ما في هذه المأساة أنّها لا تُدمّر الحاضر وحده، بل تجهز على ما تبقّى من المستقبل. بلد بلا شباب واعٍ هو بلد بلا غد، وبلد يُستباح جسده هو وطن يُغتال مرتين: مرّة حين يسقط في وحل السموم، ومرّة حين يُسلخ على موائد السوق السوداء. وهكذا يصبح العراق كله، بتاريخه وحضارته، جثة ممدّدة على طاولة الجراح، فيما العالم يراقب بصمت، وكأنّ الأمر مجرّد خبر عابر.لكن التاريخ لا يرحم، والوطن الذي استطاع أن ينهض من تحت ركام الحروب قادر أن ينهض أيضًا من هذه الكارثة، شرط أن يُقال الحق، وأن يُكشف المستور، وأن يُستعاد للإنسان كرامته وحقه في أن يعيش كاملًا بعقله وجسده وروحه. العراق ليس للبيع، والعراقي ليس بضاعة، والحياة أثمن من أن تُستبدل بحبة مُخدِّرة أو بكُلية مسروقة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الجيش الإسرائيلي: اعترضنا مسيرة أطلقت باتجاه قواتنا في جنوب
.. هجمات إسرائيل على سوريا ولبنان.. هل بلغت حدا يهدد تركيا؟
.. أكسيوس تنقل عن مسؤول أمريكي بنود مذكرة التفاهم مع إيران.. ما
.. وزير خارجية جيبوتي: لا تنمية في السودان دون إسكات صوت السلاح
.. خبير بالشؤون الدولية: هناك صراع بروباغندا يصور فيه ترمب أن إ