الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مسطبة البقاء
خيرالله قاسم المالكي
2025 / 9 / 13الادب والفن
على المسطبة، في بداية الطريق المُقرنص من الجوانب، موضعها المُعتاد. تجلس حين يخلو، متّخذةً من حافتها مقعداً يتناسب مع إطلالتها، مع عُمرها المتوارث عبر مدى سنواتٍ رأسنها. ليست بمرتعشة؛ تجلس بكلّ العالم الذي يهتزّ ويتمايل ويرقصُ مزهوّاً، حاملاً آثار السنين.
شعرها يتطاير في الهواء الطلق، يتطاير بعمرٍ مقهور، يهتزّ عبر حافات الزمن من غير أن يرتجف.
بِعُمرها المتيسِّر، كانت تحلم أن تكون قبضةَ شعيرٍ تَنبُتُ في حقول المدينة ومشاتلها، في زوايا الحدائق، في بيوت المكنونة. تحلم أن تكون عشباً يطعم البطون الظامئة في أزقة البيوت والطرقات. تريد أن تنبتَ، أن تنتثر في كل شيء، أن تتخلّص من نظراتهم، أن تفرّ من ضيق عالمهم المظلم الذي يطعن جسدها ويخدشه كمخالب عمياء.
لكنها لا تملك سوى جرحٍ مبهم، خاطته يدٌ معدمة بخيطٍ مقطوع، تحت سماءٍ فقدت طعم النور.
وحين امتزج الحلم بالواقع، ووصل الكأس إلى يدها، ارتشفَت منه مرادها. انتعشت وشعرت أن فمها امتلأ بنورٍ سماويٍّ لم تذقه من قبل.
بينما امتصّت الأزقةُ أصداءَها، استغلَّ أحد الفتيان الزحام فجلس على الجانب الآخر من المسطبة، متقرفصاً كمن يختبئ أو يهرب من طاردٍ ما. في عينيه حَمَلَ فتاتَي حلمٍ، لا دمعين. قال: "أريد أن أنفجر وأكون طيراً داجناً هرب من قفصه في زحمة الانفجار. أختفي في ظلٍّ لا يراني فيه أحد. طيرٌ هاربٌ من عشّه، ينزو في زاوية طليقة، خارجٌ عن قفصه وشهوة الصيادين. لا أحد يلحق فورة الوجع، أو يطارد رغبة طائرٍ هاربٍ بين صباح وموجة ليل."
كان صَدًى للصبية الذين افترشوا الطريق جوارهم وهم يلعبون.
لكن الصبية سَرَّها ما رأت. وسمعت ضحكاً، لكنها رأت أن الصوت ليس صدى، بل كصوت يتهشّم كزجاج تقذفه الأمواج.
عطش فشرب من ذاك الكأس. فوراً، نبت ريشٌ لامعٌ على ذراعيه، ورأى السماء مفتوحة بلا ثقوب. غير أن الريح ارتدت به إلى الأعلى قبل أن يهبط.
في مكانٍ آخرَ منعزلٍ، جاءت صبيةٌ ثالثةٌ لتشارك في اللعبة ذاتها. حملت معها جلداً خزفياً صغيراً. قالت: "أنا لستُ أنا . كلما تقصّيتُ عن ذاتي، وجدتُ ذاتاً أخرى تتجسّم بما لستُه. غريبةٌ تومئ إليّ باستهتارٍ وبلا تحفّظ."
وضعت الجلد الخزفي على فوهة الكأس قبل أن تشرب. كأنها تشرَب أضواء الخزف، لا الشراب نفسه.
كل رشفة كانت تخفي جزءاً من كينونتها، من غير تردد، حتى كادت تختفي بالكامل. أصبح وجهها صفحة بيضاء لم يَسُحها قلمٌ مخادع، بلا اسم، بلا قسمات أو ملامح.
وقفَ فضوليٌّ متكئاً على مسندٍ من خياله، أشبه بقضيبٍ شجريّ. قال: "أكون كما أنا. لا أنام. النوم وهمٌ خادع يصرِفني إلى وجودٍ لا أريده، وأماكن لا تنتمي إلي."
حين دنا من الكأس ليُطفئ ظمأه ويشرب، لم يدخل الشراب إلى فمه، بل تسلّل عنوةً إلى ظلّه. وفجأة، تحرّك الظل وحده، من غير ملامسة أو فعل. تركه من غير إيماءات خفيّة أو فعل مركّب. توكّأ لوحده، من غير لحظة بقاء، ثم سار مبتعداً نحو الأزقة المظلمة.
صاح الشاب: "انتظروني!" لكن الظل أكمل مسيره، متخفيّاً في الزقاق المظلم.
ظلّوا يتسلّون بالكأس. يدور بينهم، يداً بعد يد، وحشةً بعد وحشة. القريب والبعيد، يجمعهم على المسطبة في ارتكاس الضياع والهزيمة. تحوّلت ضحكاتهم إلى أصوات مولولة، وأصبحت آمالهم وأحلامهم صوراً لا تُرى.
في ذروة الوجع، توقّفت دقّات الساعة وانكسرت عقاربها. انهمرت وجوههم بأكملها في كأسٍ واحد. فقدوا الوجود، ولم يعد أحدٌ يعرف من الفتاة ومن الشاب. وهم لا يزالون في قلب اللعبة.
انصهر الجندر وذاب كما يذوب الملح في الماء النقي. صارت الأوجاع استفهاماتٍ وتساؤلات، لبَّ الحديث ومحوره.
تبدّل الليل، وحلّ الفجر. بدأت ملامح المدينة بالحضور تحت إشراقات ضوءٍ باهت.
غابوا. لم يجد أحدٌ على المسطبة أو قرب الرصيف سوى الكأس الفارغة.
فقط الريح تبتسم وتهمس: "قَدَحان في كأسٍ واحد. ولا ماء يُروي الظمأ."
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كلمة أخيرة - الفنان أحمد جلال عبد القوي مات بنوع نادر من الس
.. هاني شنودة تنبأ لي إني هكون فنانة كبيرة.. الفنانة سيمون تحكي
.. غياب تام للمطربين فى جنازة الموسيقار هانى شنودة والشاعرة نور
.. لحظة تشييع جثمان الفنان أحمد عبد القوي وسط حالة من الحزن
.. انتظرواالمخرج أحمد خالد أمين في حلقة خاصة من برنامج #ON_Set