الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أدارة الوقت بين ظاهرة التسويف وضغط اللحظات الأخيرة
رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
2025 / 9 / 15
قضايا ثقافية
تُعدّ إدارة الوقت من القضايا المركزية في الدراسات السلوكية والتنظيمية، إذ يرتبط حسن استثمار الوقت بمستوى الإنجاز والإنتاجية وجودة المخرجات على المستويين الفردي والمؤسسي. غير أنّ شريحة واسعة من الأفراد تعاني من ظاهرة التسويف وتأجيل المهام، وهو سلوك يتسم بترك الأعمال إلى اللحظات الأخيرة قبيل موعد إنجازها، مما يولّد حالة من التوتر النفسي والارتباك الذهني ويؤثر سلباً على جودة الأداء ويزيد من احتمالية الأخطاء والنسيان. وقد وصف بيرس ستيل هذه الظاهرة بأنها "فجوة زمنية بين نية الفرد للقيام بالمهمة وتنفيذه الفعلي لها" (Steel, 2010)، وهو ما يضعف القدرة على الاستفادة المثلى من الموارد المتاحة، ويجعل الوقت عدواً ضاغطاً بدلاً من أن يكون أداة داعمة للإنجاز. إنّ المشكلة لا تكمن فقط في ضيق الوقت عند التنفيذ، بل في ضعف التخطيط وغياب الوعي بقيمة الزمن بوصفه مورداً لا يُعوّض، فالمال يمكن أن يُستعاد والصحة قد تُحافظ نسبياً، أما الوقت إذا مضى فلا رجعة له.
من أجل معالجة هذه الإشكالية، تظهر الحاجة إلى بدائل عملية وسلوكية تسهم في إعادة بناء علاقة الفرد بالزمن. أول هذه البدائل يتمثل في تحديد الأولويات وفق ما يُعرف بـ "مصفوفة إيزنهاور" التي تُصنّف المهام إلى عاجلة ومهمة، مهمة وغير عاجلة، عاجلة وغير مهمة، وأخيراً لا عاجلة ولا مهمة (Covey, 1989). هذا الأسلوب يساعد الفرد على ترتيب جهوده بشكل واعٍ بعيداً عن العشوائية. كما أن تقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة يخفف من رهبة الإنجاز ويمنح شعوراً بالتحكم المرحلي، وهو ما أشار إليه ديفيد ألين بقوله: "تفكيك المهمة الكبرى إلى وحدات صغيرة قابلة للتنفيذ يقلل من الضغط النفسي ويزيد من احتمالية إتمامها" (Allen, 2001).
إضافة إلى ذلك، يمثل تطبيق قاعدة "الدقيقتين" أحد الحلول العملية، حيث يتم إنجاز أي مهمة يمكن إتمامها في دقيقتين أو أقل فوراً دون تأجيل. أما التخطيط المسبق اليومي أو الأسبوعي فيعد أداة أساسية لإدارة الجهد، إذ أظهرت الدراسات أن الأفراد الذين يخططون ليومهم مسبقاً يحققون إنجازاً أعلى بنسبة تصل إلى 25% مقارنة بمن يباشرون يومهم دون خطة (Claessens et al., 2007).
وفيما يتعلق بالمشتتات الرقمية، فإن الاستخدام غير المنضبط للهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي يمثل من أبرز معوقات إدارة الوقت، وقد أكدت دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا أن "استعادة التركيز بعد كل مقاطعة رقمية يستغرق في المتوسط 23 دقيقة" (Mark, Gudith, & Klocke, 2008)، وهو ما يعني هدراً كبيراً للوقت والجهد. من هنا يصبح تقنين هذه المشتتات أو الاستعانة بتطبيقات لضبط استخدامها ضرورة لاستعادة السيطرة على الزمن.
إلى جانب ذلك، يمكن تعزيز الانضباط الذاتي عبر المكافأة الذاتية بعد إنجاز المهام، بما يحفز الاستمرارية ويجعل الالتزام بالخطة سلوكاً مرغوباً. غير أنّ التمسك بالمثالية المفرطة قد يشكل عائقاً في حد ذاته، إذ يشير بيرس ستيل إلى أن "الكمال أحد أبرز دوافع التسويف، لأنه يجعل البدء في المهمة مؤجلاً إلى حين توافر ظروف مثالية لا تأتي غالباً" (Steel, 2010). لذا يصبح الاكتفاء بالإنجاز الجيد في وقته أفضل من السعي وراء المثالية المتأخرة.
وأخيراً، فإن بناء عادات إيجابية تدريجية – مثل الاستيقاظ المبكر، وتخصيص أوقات ثابتة للعمل، وممارسة تمارين التركيز الذهني – يمثل استثماراً بعيد المدى في تحسين إدارة الوقت. فهذه العادات لا تُحدث تحولاً فورياً، لكنها تُعيد برمجة السلوك على نحو يجعل التنظيم الذاتي جزءاً من الممارسة اليومية.
وعليه، يمكن القول إن ظاهرة التسويف ليست مجرد مشكلة وقتية، بل هي نمط سلوكي يحتاج إلى وعي وتدخل منهجي لتغييره. إن إدراك قيمة الوقت بوصفه رأس مال الإنسان الحقيقي يشكل الخطوة الأولى للتحرر من دوامة ضغط اللحظة الأخيرة، واعتماد البدائل العملية المذكورة يسهم في تحسين الكفاءة الإنتاجية، وتعزيز الاستقرار النفسي والاجتماعي، وتحويل الحياة اليومية من مسرح للفوضى والإرباك إلى مسار منتظم للإنجاز الفعّال والرضا الذاتي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مجلس الشعب السوري الجديد: ماذا تغير؟ | نيوززووم
.. هرمز تحت الحماية الأميركية.. هل بدأ ترامب مرحلة خنق إيران؟ |
.. عاجل | ترامب يهدد بتدمير حصن إيران النووي.. والجيش الأميركي
.. ترمب: موقع جبل الفأس في إيران هدف محتمل لضربة كبيرة وقوية
.. نقاش الساعة | من هرمز إلى اليمن.. المنطقة على صفيح ساخن