الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العقل الطائفي : الفايروس التاريخي للأمة
صفاء الصافي
باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي
2025 / 9 / 15
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
القل الطائفي معضلة مزمنة لا حل لها، فهو أشبه بفايروسٍ تاريخي يتسلّل عبر العصور ويعيد إنتاج نفسه مهما تغيّرت النظم والأفكار. ولا نظام قادر على اقتلاعه، لأنه لا يقوم على قناعة فكرية يمكن مراجعتها أو نقاشها، بل على ترسّبات فطرية وموروثات مغلقة يتشبّث بها صاحبها كأنها قدر لا فكاك منه. وحين يواجه فكرة مغايرة، لا يبحث في منطقها ولا يمتحن صدقها، بل يرفضها بعناد ويقاومها بكل وسيلة. وإذا قُدِّمت له الحجج العقلية والدلائل الفكرية، قابلها بخرافات وأساطير ضاربة الجذور في حضارات بابلية أو يونانية أو هندوسية، يكسوها بلباس القداسة ليجعلها حصناً يحتمي به من أي نقد أو مساءلة.
وقد وصف المفكر جورج طرابيشي (1939–2016م) في كتابه هرطقات هذه الظاهرة بدقة حين قال: "إن العقل الطائفي هو عقل أسطوري، يرفض التفكير النقدي، ويعيد إنتاج خرافاته جيلاً بعد جيل، مانعاً أي إمكانية لنهضة عقلية حقيقية."
وللأسف، لا يزال العقل الإسلامي في كثير من تجلياته أسيراً لهذه الذهنية، يسير على سجية الأجداد، رافضاً أي وسيلة إيضاحية من الوسائل الفكرية العلمية الرصينة، بل يرى في الطائفية هويته العقائدية والسياسية، لا هويته الدينية. فجوهر الدين الحق هو التمسك بمبادئ السماء وقيم العدل والوحدة. وقد عبّر عن ذلك المفكر محمد عمارة (1931–2020م) في كتابه الإسلام والمذاهب الفكرية المعاصرة بقوله: "الطائفية هي مرض سياسي بامتياز، يتغذى على جهل العامة وصراع النخب، ولا علاقة له بجوهر الدين الذي جاء لتوحيد الناس على كلمة سواء."
إن مشكلة المسلمين الكبرى أنهم تفرّقوا إلى فرق وشيع نتيجة الصراع على الحكم السياسي أكثر من كونها نتيجة لاختلاف ديني جوهري. فبعد وفاة النبي ﷺ ظهر الخلاف حول من له الحق في الحكم، لا حول أصل الدين، إذ الدين واحد، والقرآن واحد، والنبي واحد. لكن النزاع السياسي غلّف نفسه بلبوس ديني فتحوّل إلى مذاهب وعصبيات. وهذا ما حذّر منه الإمام الشاطبي (ت 790هـ) في كتابه الاعتصام بقوله: "التفرق والاختلاف المذموم إنما ينشأ من اتباع الهوى، ومن تقديم الرأي على الدليل، ومن التعصب للمذاهب والرجال."
وقد تغذى الفكر الطائفي على العصبية والقبلية والمذهبية كما اصبح سلعة مربحتا في دكاكين الفقهاء فكل فقيه يعرض مالدية تحتى مسمى العلم الذي قال عنه
ابن خلدون (1332–1406م)، "التعصب للمذاهب إنما وقع بين المتأخرين من أهل الفقه، لما صارت عصبية المذاهب تقوم مقام عصبية القبائل، فتعصّب كل فريق لإمامهم ومنع تقليد غيره، فحُجبوا عن الاستفادة، وضاعت ثمرات العلم."
الطائفية إذن ليست قدراً إلهياً ولا جزءاً من جوهر الدين، بل صناعة بشرية غذّاها الصراع على السلطة وأحياها التعصب
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. عيد انتقال السيدة العذراء في دير سيدة طاميش: البرنامج الروحي
.. مستوطنون يقتحمون باحات المسجد الأقصى ويؤدون طقوساً تلمودية
.. هل يكرّس قانون العفو العام منطق التسويات الطائفية في لبنان؟
.. الفرق بين مصطلحات : العبريون ، الإسرائليون ، أهل يهوذا ، الي
.. العاشرة | -لو قٌتل البابا سيدخل المسيحيون الحرب-؟.. مواجهة ح