الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
صيحات ومآسي الأرض
خيرالله قاسم المالكي
2025 / 9 / 15الادب والفن
تمضي الأيام على إيقاع ليلٍ لا ينتهي، وفجرٍ ينهض على أنين المآذن في قلب المدينة وأطرافها النائية. حيث الأسئلة المُعلَّقة في الهواء، يتحفز الأهالي والصيادون، على نغم طبلةٍ غجريةٍ قديمة، ورثوها عن ممتهني الغناء والرقص والناي والرباب. كانت سلعةً تُباع في الأفراح، وطقسًا جماعيًا في زمنٍ مضى، لكنها بقيت في ذاكرة المدينة كجرسٍ يهزُّ الأعماق.
كلما دقّت الطبلة، اجتاحت الفوضى الأزقة. بين أدعيةٍ مختنقة وبكاءٍ متقطّع، وصرخاتٍ تعاتب الدهر، تتصادم مع هتافاتٍ عمياء لا تعرف معنى. يتعاقب الصراخ كأمواج بحر هائج، حتى كأن الوجود نفسه يستلهم من أنفاسهم غبار التاريخ، فيفتح فمه ليخنقهم، ليبتلع أصواتهم بشراهة.
على الأرض العطشى التي تتوق إلى المطر، حيث يمتزج الطين بدموع الداعين، مدت النساء أيديهن نحو السماء، لا طلبًا للماء، بل برهانًا على أن السماء ما زالت هناك. أما الرجال، فقد التصقوا بالجدران، جدرانٌ اعتادت فرارهم، حفظت أسرار خيباتهم من فرط انحنائهم عليها. ضحكوا أحيانًا ببهجةٍ ممزوجةٍ بأوهام، وبكوا أحيانًا كما لو أن البكاء نفسه صار دعاءً مقلوبًا، مشبعًا باللعنة.
لم يعُد الهتاف والبكاء نقيضين، بل صارا وجهين لجدارٍ واحد، أو عملةً مُزيفة، كقدمين ترقصان على جمر: تضحكان من ألم الحريق، وتصرخان من لهيبه. كل كلمة في الساحات كانت مشطورة: نصفها نورٌ يهتدي به الضالون، ونصفها الآخر دمعةٌ تذوب في الظلام.
في أول النهار، وعلى الطريق الذي يشطر المدينة إلى نصفين، برز رجلٌ غريبُ الملامح: يحمل قربة ماء على كتفه الأيسر، وحقيبةً تشبه مكتبةً متنقلة، مليئةً بكتب الأدب والعلوم، لكن أغلبها روايات ودواوين شعر من أساطير المدينة. لم يجرؤ أحد على لمسها، فالكتب هنا لا تُسرق، بل تُورَّث. اختلفوا عليه: شاعرٌ تائه؟ أم أنَّه تاريخ المدينة نفسه؟ خرج من متاهات المكتبات المنسية، كصفحةٍ سقطت من مخطوطة قديمة.
وقف على منصةٍ وسط الزحام، وصرخ بصوته الأجش: "أنتم مرايا عابرة، تعكسون ما لا يُرى! أنتم لستم من يصرخ، بل التاريخ يصرخ من خلالكم. أنتم لستم من يهتف، بل الأرض تهتف باسمكم!"
ضحك البعض حتى سقطوا على الأرض، وبكى آخرون حتى جفّت مياه النهر. أما الأطفال، فظلوا يرسمون دوائر بالطباشير، يحبسون داخلها صدى الصراخ، لكي لا يضيع.
تكورت المدينة كرمزٍ غامض: نصف وجهها مغسول بالدموع، ونصفها الآخر مرسوم بابتساماتٍ زائفة. أصواتها بين مواويل حزينة وبكاء دامٍ. وفي الأعماق، كان التاريخ يمسك بخيوط الحاضر، يسأل: أيهما الخلاص؟ البكاء أم الهتاف؟ أيها الضحك: هل أنت عدونا أم وريث مآسينا؟
وعند الغروب، توقفت طبلة الغجر فجأة. سكت العتاب، خفتت الأصوات، وبقي الصدى يدور ككوكبٍ تائه. حينها أدرك أهل المدينة أنهم ممثلون في مسرحية عبثية لا تُغلق ستارتها. مسرحية عنوانها: "صرخات وأنين في متاهة الوجود."
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا
.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل