الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أنقرة والخوف من الظل الكوردي

بوتان زيباري

2025 / 9 / 15
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير


ما بين أنقاض سوريا ووهج المفاوضات، تدور لعبةٌ لا تُقاس بالسلاح فحسب، بل بالكلمة، بالصمت، وبالذكريات التي تُستدعى حين يحين الوقت. ليست المسألة مجرد صراع أجنحة أو امتداد لتحالفات إقليمية، بل هي مواجهة وجودية مع فكرة: فكرة التنوع، والحق في الاختلاف، وفي بناء هوية لا تُختزل بحدود مركزية جامدة. إنها معركة داخل العقل السياسي التركي، حيث يُنظر إلى الكوردي ليس كشريكٍ في المصير، بل كخطرٍ على الكيان.

لقد مضت سنوات على دمار الدولة السورية، وما زال السؤال الأكبر معلقًا في الهواء: ماذا بعد؟ لكن الجواب لا يأتي من دمشق وحدها، ولا من واشنطن أو موسكو، بل يتشكل أيضًا في مكاتب أنقرة، حيث يُقرر، بصمتٍ أو بصخب، من يستحق الحياة السياسية، ومن يجب أن يُمحى من المشهد. هنا، تظهر "قوات سوريا الديمقراطية" ليس كقوة عسكرية فحسب، بل كرمز لمشروع لم يُكتمل بعد — مشروع اللامركزية، والعيش المشترك، والكورد كجزء لا يتجزأ من نسيج سوريا المستقبل.

لكن أنقرة، برغم كل التحولات، تصرّ على رؤية قديمة: أن الدعم المطلق للحكومة المركزية في دمشق هو الطريق الوحيد. وكأن التاريخ لم يُعلّم شيئًا. وكأن التجربة العراقية لم تكن درسًا واضحًا: فقد بدأ التعامل مع إقليم كوردستان بالرفض، ثم تحول إلى شراكة استراتيجية، اقتصادية وأمنية، بل وحتى سياسية. فكيف لا يمكن أن يكون لمثل هذا التحوّل مكان في سوريا؟

الخطاب الرسمي التركي، خصوصًا عبر بعض المسؤولين، يحمل اليوم ثقلًا أيديولوجيًا لا يتناسب مع تعقيدات الواقع. اتهام الكورد السوريين بالارتباط بإسرائيل — دون أدلة حقيقية — ليس فقط مبالغة، بل هو أداة لتبرير القمع السياسي، ولإسكات أي صوت يطالب بالاعتراف بوجودهم كفاعل شرعي. في المقابل، نرى النظام السوري نفسه يتواصل مع إسرائيل بشكل مباشر، ويُجري لقاءات سرية وعلنية، دون أن يُثار حوله سؤال واحد. فهل الخطر الحقيقي هو الكوردي الذي يطلب الأمن، أم الخطاب الذي يصنع من الأمن تهديدًا؟

الأمر لا يتعلق بسوريا فقط، بل بتركيا نفسها. فكلما تشددت أنقرة ضد الكورد هناك، اهتز الاستقرار هنا. لأن السياسة الخارجية انعكاسٌ للسياسة الداخلية. وطالما ظل الخوف من الهوية الكوردية هو المرجع، فلن تكون هناك حلحلة حقيقية، سواء في الداخل أو على الحدود. الحلول التي تُطرح باسم "الوحدة الوطنية" لا يمكن أن تُبنى على استئصال الآخر، بل على الحوار، والتوازن، والاعتراف.

لقد آن الأوان لأن تتخلى أنقرة عن فوبيا الكوردي، وتتعامل معه كشريك في البناء، لا كعدو في الحرب. فالكوردي في سوريا لا يريد انفصالًا، بل يريد ضمانات: ضمانات دستورية، وسياسية، وأمنية. وهو مستعد للانخراط في جيش وطني، لكن ليس بأي ثمن، بل بشروط العدالة والشفافية.

وإن كانت تركيا تطمح لدور ضامن في المنطقة، فعليها أولًا أن تكون ضامنة للجميع، لا طرفًا في الصراع. أن تفتح قنواتها مباشرة مع قادة "قسد"، لا عبر وسطاء، وأن تستضيف لقاءات في أنقرة أو إسطنبول، كما تستضيف غيرها. فالتواصل لا يُضعف الموقف، بل يعززه.

في النهاية، ليست القضية من يربح في "مصارعة الذراع"، بل من يملك الرؤية. والرؤية الصحيحة لا تُبنى على الخوف، بل على الشجاعة: شجاعة الاعتراف، وشجاعة الحوار، وشجاعة بناء مستقبل لا يقصي أحدًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كييف تعلن تعرض مواقع للطافة لضربات روسية مكثفة بمسيرات وصورا


.. كايا كالاس تؤكد أن واشنطن ما زالت -أكبر حليف- للاتحاد الأورو




.. نائبة وزيرة خارجية سلوفينيا للجزيرة: لتكون الدولة الفلسطينية


.. رئيس الوزراء اللبناني: البيان الوزاري أعاد التأكيد على التزا




.. نواف سلام: لا أرى أي ضرورة أمنية لبقاء القوات الإسرائيلية في