الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
جلنار والفراشة
أكرم شلغين
2025 / 9 / 15الادب والفن
في ربيع العمر، تقاسما سراً من أسرار المدينة: صفاء ما بعد المحاضرات، وصخور شاطئ هادئ، وأسماء تنتثر كأغاني على شفاههما. تسللا ذات عصر بقلوب لا تخاف الحلم، جلسا بين صخرتين، فتبادلا الكلام والغناء والآمال، حتى حلّ الخوف، ذلك الضيف الثقيل الذي لا يطرق الباب.
قبل يومين، قال له المحقق بصوت جليدي: "اسمك على ألسنة المعتقلين... سأعيد استدعاءك حتى تعترف بلسانك أو أضعك معهم". في عقلها انطبعت صورة أخيها الذي ذهب ذات يوم ولم يعد. وفي صدره دبّ الرعب، لكن الحب كان أقوى من كل تهديد. غنّت له بصوت يذوب حنيناً: "يا صبح روج طولت ليلك خليت قلبي نار… بلكي بتجي أختك تغنيلك ...بلكي بتجي جلنار". وغنيا معاً، مقاومة صغيرة لعالم مجنون، وتذكيراً بأن الحياة حق طبيعي وليست هبة من طغاة. وختما: "و وعيت الشمس وزقزق العصفور وما أجت جلنار..."
عندما انقضى المساء، نهضا من بين الصخور ورجعا مسرعين. فاجأتهما أصوات عسكر بلهجة غريبة ثقيلة تصرخ من أعلى: "عرفنا ما كنتما تفعلان أسفلا!". ركضا واختفيا بين الناس وتابعا حتى وصلا أمام المشفى الوطني في شارع بغداد، لكن صدا الخوف بقي يرتجف في داخلهما.
مرت السنوات، وتبدلت خشية الجنود بخشية أعمق: غياب الأمان، وفقر ينخر العظام، واستدعاءات لا تنتهي. لكنهما ظلا معاً. كان الحب ملاذهما الوحيد، والحلم بسقوط الظلم طوق نجاتهما. وفي اليوم الذي سقط فيه الظالم، غنيا كطفلين استردا لعبة، لكن الفرحة كانت ناقصة، فالحاضر استنسخ الماضي، والبدايات لم تكتمل.
ها هما الآن في خريف العمر، حيث الأيام أثقل والذكريات أعمق. هو مريض، والأدوية في يده كجعبة حياة. كل كلمة يقولها تبدو محاولة لتمديد الوقت، وكل نفس تتنفسه هو وعد مؤجل.
تدور بينهما الدردشات في حلقة لا تنتهي: عن فرح مُصادَر، وعن أجيال لم تعرف معنى الحرية، عن طفل سأل أمه متى سيعودون ليلعبوا في الشارع، فأجابته: "عندما يُسمَح لنا أن نكون أحراراً". نظرت إليه فابتسمت ابتسامة تعلوها حمرة الأمل والمرارة، كمن يبحث عن فراشة في عالم بلا نوافذ.
هو يتكلم، وهي تستمع... أحياناً يبكيان، وأحياناً يضحكان على ذكريات بسيطة: خبزة دافئة، أغنية قديمة، اشتباك أصابع. قالت له يوماً بصوت مرتعش: "أنت لم تنس، أنت تذكرنا أجمعين… أنت لم تسمح للنسيان بابتلاعنا".
صوته في تلك اللحظات كان أقوى من أي خطاب: يحوّل الألم إلى شهادة، والهمس إلى تصريح.... يعرف أن لا أحد سيهتف باسمهما في ميادين براقة، لكن يكفيه أن يسمع همسها: "ما زلت أؤمن أن الحرية حق يسترد"، فتبتسم عيناه كأنهما نافذة إلى زمن ما يزال ممكناً.
إحدى الليالي، أمسكت يده في الظلمة. كان الصمت أبلغ من الكلام. سألها: "هل تذكرين أننا كنا نركض في شوارع المدينة وكأنها لنا وحدنا؟ هل تذكرين يوم غنينا فيروز بين الصخرتين؟". ضحكت باكية وهمست: "وأنت قلت إن الفراشات ستعود".
قبيل الفجر، حين صارت أنفاسه أقصر، فتح لها نافذة ذكرياته. تحدث عن طفلة ترى شمس الربيع بعد غياب، عن شارع يعيد أطفاله، عن يوم يستطيع فيه الرجال والنساء النزول إلى البحر بحرية ودون خوف، كما كانا يفعلان، عن يوم يستطيع فيه أي شخص أن يتكلم بلهجته المحلية، بكل ما تحمله من دفء وذكريات، دون أن يُوصف بالغربة أو الدخالة أو أن يُدمغ بطابع سلبي. عن يوم يستطيع الناس فيه أن يلبسوا ما يشاؤون، أن يحلموا كما يريدون، أن يحمل أحدهم آلته الموسيقية ويعزف بحرية في شوارع المدينة، دون خوف من أن ذلك حرام أو ممنوع. أخذ نفساً عميقاً كمن يجمع كل الأمل في كلمة واحدة: "إذا جاء ذلك اليوم… فلتُقال كلمة واحدة: شكراً لمن لم ينس".
احتضنته. كان دفؤها كل أضواء العالم. همست له: "سأحفظ اسمك في كل زهرة تفتح، وفي كل حرف أكتبه، وفي كل طفل يضحك بلا خوف". أغمض عينيه مبتسماً، وكأن أنغاماً بعيدة تُعيد له ربيعاً مضى.
كررت قائلة:
أنت…
أنت من علمتني أن حب الناس كحب النفس.
إذا جاء يوم…
يوم يفتح فيه الباب…
وسقطت الأقنعة…
ودُفن الطغيان…
وعادت الفراشات إلى جنائننا…
وانطلقت الألحان في شوارعنا…
وأعيد لابن البلد اسمه وكرامته، فلم يعد غريباً أو دخيلاً ، بل إنساناً له مكان تحت الشمس…
فستكون أول كلمة تقال:
"شكراً لمن لم ينسَ."
وأنا… سأقولها عنك.
مع كل نبضة قلب…
مع كل شمس تشرق…
أنت معي.
بالحب،
حبيبتك التي تؤمن أن الحرية ليست هبة، بل حقّ يُسترد.
سأحمل اسمك في كل كلمة أتفوه بها عن الحب الحقيقي للوطن والإنسان.
وستبقى سوريا فيّ… كما ستبقى أنت فيّ.
ليس كحبيب سرقته الأيام…
بل كشريك في الألم…
وكشاهد على الجمال الذي لم يمت.
إذا جاء يوم…
يوم تفتح فيه النوافذ على بحر الحرية…
ويُسمع فيه ضحك الأطفال دون قيود…
وتُزرع فيه الأزهار على أنقاض الماضي…
فسأجلس تحت شجرة…
وأعيد قراءة كل ما كتبته لنا…
وبدموع هادئة، سأقول:
"لقد عشت… وقلت… وذكرت… فلم نمت!؟"
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الثقافة الأمازيغية في تونس.. إرث قديم يعود إلى الواجهة
.. زين البحرين تحتفي باليوم الرياضي البحريني بفعالية تعزز ثقافة
.. السينما الليبية… مخرج شاب يتحدى غياب الدعم ويصوّر فيلمه في م
.. ستايل توك - Tom Ford و Adele في عمل واحد قريبا في فيلم Cry t
.. الكلاسيكو - لقاء مع كابتن أحمد بلال والناقد الرياضي أحمد درو