الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


موسم الذباب

خيرالله قاسم المالكي

2025 / 9 / 16
الادب والفن


عمَّ الذبابُ أرجاءَ المدينةِ. لم يَعُدِ الهواءُ سوى شبكةٍ من طنينٍ، يتساقطُ على المآقي دموعًا، ويستوطنُ الكحلَ في عيونِ النساءِ كوشمٍ من سوادٍ أبديٍّ.

تسألُ الصبيةُ أمَّها: – كيف نستحمُّ؟ – كيف ننامُ؟ – كيف نأكلُ في هذا الخرابِ الطائرِ؟

تردُّ الأمُّ بوجهٍ أصفرَ مكفهرٍّ: "لا عليكِ، سيأتي السحرةُ والمنجمون. رأيتُهم من قبلُ: في ختانِ أبيكِ حين غنّوا، في عرسِه حين باعوا البخورَ للراقصين، وفي مأتمِه حين خلطوا دموعَ النساءِ برمادِ الطلاسمِ نفسِها."

في السوقِ، الباعةُ يغرفونَ الذبابَ مع الفاكهةِ. رمانٌ مغطّى بجناحينِ، عنبٌ يتفتَّتُ تحت أقدامِ الذبابِ، والناسُ يشترون ويأكلونَ، كأنهم اعتادوا أن يبتلعوا الخرابَ.

السحرةُ هناك أيضًا: يبيعون أوراقًا صفراءَ كُتِبَت بحبرٍ مائعٍ، ويقولون: "من يعلِّقها على صدرِه لن يعرفَهُ الذبابُ." لكنَّ الذبابَ كان أولَ مَن حطَّ على تلك الأوراقِ.

في العرسِ، كانتِ الطبولُ تدقُّ، لكنَّ الطنينَ كان أعلى. ذبابٌ يشاركُ العروسَ، يحطُّ على الكعكِ والحلوى، ويُقَبِّلُ وجوهَ النساءِ كما لو كان العريسَ نفسَهُ. ضحكَ الناسُ، ورقصوا، لكنَّ الطنينَ ظلَّ يختلطُ بالموسيقى، كأنَّه المايسترو الحقيقيُّ.

في المأتمِ، يبكي الرجالُ وتولولُ النساءُ، لكنَّ الذبابَ كان الأسرعَ إلى الدموعِ. يحطُّ على الخدودِ، يدخلُ في أفواهِ النائحينَ، يرقصُ فوقَ الأجسادِ المسجّاةِ، كأنَّه وريثُ الموتِ الشرعيُّ.

المنجمونَ يرفعونَ أصواتَهم: "لا تخافوا، هذا موسمٌ قصيرٌ. سيزولُ الطنينُ إذا صبرتُم." لكنَّ الطلسمَ نفسَهُ كان يهتزُّ بجناحينِ.

في البيوتِ، غطَّى الذبابُ المرايا، فلم تعدِ النساءُ يتعرَّفنَ على وجوهِهِنَّ. وجهُ الطفلِ تحوَّلَ إلى بقعٍ سوداءَ متحركةٍ. الآباءُ طردوهُ بالمكانسِ، لكنْ كلما طردوا سربًا، عاد سربٌ أكبرُ.

تهمسُ الأمُّ لابنتِها: "لا تخافي… إنَّه موسمٌ. مواسمُ الذبابِ مثلُ مواسمِ البشرِ: تأتي محمَّلةً بالصراخِ، وترحلُ محمَّلةً بالخرابِ."

لكنَّ الذبابَ لم يرحلْ. كبرتْ أسرابُه حتى صارتْ جيشًا، تجمَّع في السماءِ على هيئةِ وجهٍ واحدٍ: نصفُه يضحكُ، نصفُه يبكي.

صرختِ الصبيةُ: "أما زالوا يقولون: موسمٌ ويزولُ؟ لكنِّي أرى أنَّ الذبابَ هو نحنُ، وجوهُنا المثقوبةُ، ذاكرتُنا السوداءُ، صراخُنا الذي يطيرُ بأجنحةٍ!"

ضحكَ الذبابُ ضحكةً ساخرةً، ضحكةً كإلهٍ ساخرٍ قديمٍ، ثمَّ نزلَ على المدينةِ كستارةٍ، طمَسَ العرسَ والمأتمَ والسوقَ والبيتَ، حتى لم يبقَ سوى طنينٍ واحدٍ، طنينٍ يشبهُ نشيدًا أبديًّا، يقولُ:

"أنا مرآتُكُم. أنا أنتم. أنا موسمُكُم… موسمُ الذبابِ."








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات