الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الأسرة والدخول المدرسي من كتاب( رسائل غير مشفرة)
للاإيمان الشباني
2025 / 9 / 17قضايا ثقافية
بداية موسم من التعبير عن الحب الحقيقي، هو امتحان صغير لكنه صادق للروابط الأسرية، وهو فرصة كبيرة كي نعيد تشكيل علاقتنا بأبنائنا ونمنحهم شعور الأمان والثقة والانتماء. حين يصحو الطفل صباح أول يوم دراسي فإن أكثر ما يحتاجه ليس الحقيبة الجديدة ولا اللباس المرتب ولا علبة الأقلام الملونة، بل يحتاج قلبًا حاضرًا، عينًا تبتسم له، يدًا تمسك بيده بثقة لا ترتجف، ووجهًا يرافقه حتى باب القسم وهو يقول له دون كلمات كثيرة: أنا معك وإن لم أكن بقربك
مرافقة الأبناء في أول يوم دراسي ليست مجرد مشهد للمشاركة أو التوثيق بالصور، هي لحظة تأسيسية تشبه لحظة غرس نبتة صغيرة، يحتاج الطفل فيها لمن يسنده ليقف بثقة وسط هذا العالم الجديد، كثير من الأطفال يحملون قلقًا خفيًا لا يظهرونه، وبعضهم يبتسم رغم توتره، لذلك فالأب والأم مطالبان بالرفق لا بالعجلة، بالصبر لا بالمقارنة، بالتفهم لا بالتوجيه القاسي، عليهم أن يكونوا جسر العبور الهادئ لا عبء الرحلة
وحين نصل إلى باب المدرسة أو القسم، فلننتبه جيدًا إلى اللحظة الفارقة التي نودع فيها أبناءنا، فبدل أن نبادر بالسؤال العنيف والمباشر الذي يُربك الطفل: "أشنو درتي؟ شنو قالو ليك؟ واش كنتي مزيان؟" يكفي أن نحتضنه ونهمس له بصدق: توحشتك، فرحت برجوعك، سعيد بلقائك من جديد، فهذه الكلمات تُعيد التوازن العاطفي للطفل وتمنحه الأمان بدل أن يُحاسب على يوم لم يكن مستعدًا له بعد. نحن نحتاج أن نصغي أولًا قبل أن نسأل، أن نمنح أبناءنا فرصة أن يعبروا لا أن يُحقق معهم، أن نكون لهم حضنًا لا محكمة
أما المربيات والمعلمات فهن شريكات في تربية الأبناء، ولسن خصمًا ولا ندًا، ومن الخطأ أن نواجههن بكلام جاف أو أسئلة مشحونة أو نغمة اتهامية. الحديث مع المربية يحتاج لليونة وذكاء وتقدير، لأن الطفل لا يعيش فقط بين جدران البيت، بل يتكوّن وجدانه أيضًا داخل القسم، وإن شعر أن العلاقة بين والديه ومربيته مشحونة فسيفقد توازنه بين البيتين. من الحكمة أن نكون داعمين لا مراقبين، متعاونين لا متشككين، فحين يرى الطفل أن المربية تُحترم يُحسن السلوك من تلقاء نفسه
في خضم هذا كله، تأتي تفاصيل صغيرة في الظاهر لكنها عميقة في الأثر مثل وجبة الأكل التي تُعدها الأم، فليست مجرد سندويش أو فاكهة أو علبة عصير، إنها رسالة حب تصل إلى قلب الطفل دون كلام، طعام من يد أمه يرافقه طوال اليوم، يشعره أنها قريبة حتى وإن لم تكن معه، أن البيت لم يبتعد، وأن الحنان لا يُغلق بابه عند عتبة المدرسة
ولا ننسى أن الدخول المدرسي فترة تحمل الكثير من التوتر عند الأطفال وعند الأهل أيضًا، لذلك فإن الحديث عن المشاكل يجب أن يكون برحمة، بهدوء، بحسن توقيت، لا نُكدّس كل الأسئلة الثقيلة في لحظة واحدة، ولا نُحمّل الطفل مسؤولية توقعاتنا، بل نبدأ بسؤاله عن مشاعره، عن أصدقائه، عن اللحظات التي أحبها، عن ما جعله يضحك أو يحزن، ونؤجل ما يستدعي التوجيه حتى يشعر بالأمان، فالتربية تحتاج إلى صبر عاطفي قبل أن تحتاج إلى برامج دراسية
النوم المبكر مثل مفتاح سحري يفتح أبواب التوازن النفسي والجسدي، حين ينام الطفل باكرًا تهدأ أعصابه، يتحسن تركيزه، تصبح صباحاته أقل صراعًا وأكثر استعدادًا، أما الأم فتنال من تلك الساعات فرصة للتنفس، للراحة، أو حتى لاحتضان نفسها قليلًا، فالبيت الذي يُرتب أوقاته يُربّي أبناءه دون صراخ، ويعيش أهله بسلام
وفي زمن الشاشات، حين يكون الهاتف هو الضيف الدائم على طاولة البيت، من المهم جدًا أن نضعه جانبًا حين نتحدث مع أبنائنا، أن ننظر في أعينهم لا في شاشة زرقاء، أن نصغي بقلوبنا لا بآذان مشغولة، فالكلمات تفقد معناها حين يشعر الطفل أن من أمامه حاضر بجسده غائب بذهنه، والحوار يتحول إلى واجب ممل إن لم نحضره بمشاعرنا. علاقتنا بأبنائنا تحتاج أن نكون بكاملنا معهم، لا نصف أب أو نصف أم مشغولين بعوالم افتراضية
إنه موسم العودة إلى المدرسة، لكنه أيضًا موسم العودة إلى أنفسنا، إلى روابطنا، إلى علاقتنا بأبنائنا التي تحتاج منا دفئًا أكثر من حاجتهم إلى أدوات مدرسية. فلنمنحهم حبًا واضحًا، وحدودًا آمنة، وأذناً تُنصت، وقلبًا يتّسع
عندها فقط، يكون التعليم رحلة ممتعة، ويكون البيت وطنًا لا محطة انتظار
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة عمليات الإنقاذ
.. روما تستضيف الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلي
.. بين القصف الأمريكي والرد الإيراني.. الخليج أمام مرحلة خطرة
.. الانتقام الكبير.. مأزق ورعب وضرب في روسيا. فهل اقتربت النهاي
.. زيارة حاسمة إلى واشنطن.. ماذا طلب ترامب من الزيدي؟ | #ستوديو