الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أسطورة الصوت المقطوع

خيرالله قاسم المالكي

2025 / 9 / 18
الادب والفن


البيتُ ذاكَ، يُجاوِرُ بَيْتِي.
بَيْتٌ عادِيٌّ فِي الظَّاهِرِ،
لَكِنَّ جُدْرانَهُ تَتَهَامَسُ كُلَّ مَسَاءٍ،
كَأَنَّها تَعْرِفُ سِرًّا دَفِينًا.

فِيهِ امْرَأَةٌ،
لَا تُجِيدُ النُّطْقَ،
قُطِعَ لِسانُها يَوْمَ كانَتْ طِفْلَةً وَحِيدَةً
تُغَنِّي لِلْمَهْدِ.
كانَ صَوْتُها مِثْلَ عُصْفُورٍ صَغِيرٍ
يَفْتَحُ جَناحَيْهِ نَحْوَ الفَجْرِ،
لَكِنَّهُمْ خَشُوا أَنْ يَكْبُرَ العُصْفُورُ
وَيَصِيرَ نَشِيدًا.
فَقَطَعُوا لِسانَها،
وَتَرَكُوها صَمْتًا مُتَجَمِّدًا
فِي جَسَدٍ صَغِيرٍ.

كَبُرَتِ الْمَرْأَةُ بِلا أُغْنِيَةٍ،
لَكِنَّ عَيْنَيْها ظَلَّتا تُسَبِّحانِ بِالْحُرُوفِ،
وَابْتِسامَتُها كانَتْ مَقْطَعًا ناقِصًا
مِنْ تَرْنِيمَةٍ لَمْ تُكْتَمَلْ.
كُلَّما مَرَرْتُ قُرْبَ بَيْتِها،
شَعَرْتُ أَنَّ الْجُدْرانَ تُنادِينِي:
"هُنا يَسْكُنُ الصَّوْتُ الْمَذْبُوحُ".

فَعَلْتُ ما لا يُفْعَلُ.
قَطَعْتُ لِسَانِي،
لِأَلْتَحِقَ بِصَمْتِها،
كَأَنَّنِي أُقَدِّمُ قُرْبانًا
فِي مَعْبَدٍ خَفِيٍّ.
ذَهَبْتُ إِلَيْها،
قَبَّلْتُها فَارْتَجَفَ اللَّيْلُ،
قَبَّلَتْنِي فَانْفَتَحَتْ أَبْوابُ العَتْمَةِ.

الْتَقَيْنا هَكَذا:
هِيَ بِلا لِسانٍ،
وَأَنا بِلا صَوْتٍ،
كَأَنَّنا لُغَتانِ مَسْلُوبَتانِ،
أَوْ شَعْبانِ مَنْسِيَّانِ،
يَحْتَضِنُ أَحَدُهُما العَتْمَةَ
وَيَحْمِلُ الآخَرُ دَمَهُ قُرْبانًا.

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ،
لَمَحْتُ أُغْنِيَةً تَعُودُ مِنْ بَعِيدٍ،
تَخْرُجُ لَا مِنْ حَنْجَرَةٍ،
وَلَا مِنْ لِسانٍ،
بَلْ مِنَ الْجُرْحِ ذَاتِهِ.
كَأَنَّ اللَّقاءَ كانَ وِلادَةً ثانِيَةً:
لِلصَّوْتِ، وَلِلْأُغْنِيَةِ، وَلِلْحُلْمِ.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا


.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل




.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا