الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مثقفون بسقف واطئ

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2025 / 9 / 18
القضية الفلسطينية


منذ أن قررت المدافع أن تغني في غزة، خرجت علينا من شقوق الجدران كائناتٌ جديدة. لا هي من الإنس ولا من الجن، يسمّون أنفسهم "مثقفين"، لكنهم في الحقيقة مجرّد "مسقّفين"؛ وضعوا سقفًا من الصفيح فوق رؤوسهم كي لا تصلهم شمس الحقيقة ولا مطر الغضب.
يمشون في الشوارع كأنهم قصائد مهربة، يظنون أن وقع أحذيتهم هو نبض التاريخ، بينما لا يسمع أحدٌ سوى صرير أرواحهم الصدئة.
يطالبون بوقف الحرب ببرودٍ يشبه برود ثلاجات الموتى. يتحدثون عن السلام كما يتحدث موظف أرشيف عن ملف قديم أكلته الأتربة. لا يجرؤون على تسمية القاتل باسمه، خوفًا من أن تتسخ ياقات قمصانهم المعطّرة بحبر الحقيقة. يريدون أن يبقوا حياديين، كأن الحياد فضيلة حين تكون السكاكين في لحم الأطفال. يا للعجب! الحياد في زمن المجازر ليس حكمة، بل هو أن تقف على مسافة واحدة من الذئب والحمل، ثم تراهن على الذئب سرًا.
هؤلاء "المسقّفون" لا يجرؤون على قول "لا" صريحة كطلقة مسدس، لكنهم أساتذة في قول "نعم، ولكن..."، "لا، ولكن...". يتحدثون بلغةٍ معقمة، كأنهم يخشون أن تنتقل إليهم عدوى الألم.
يساوون بين الجلاد والضحية، كمن يساوي بين مطرقة الحداد ورأس اليتيم. يقارنون بين طائرة الـ F-16 وبين حجر طفلٍ لم يبلغ الحلم بعد، ثم يكتبون في دفاترهم الأنيقة: "ندين العنف من كل الأطراف".
أي أطراف يا أبناء الخطيئة؟ هل جناح الطائرة وجثة الطفل طرفان متكافئان في هذه المسرحية الدموية؟
إنهم يغازلون جلادينا، يقلدونهم في طريقة شرب القهوة، وفي ضحكتهم الباردة، وفي كراهيتهم لكل ما هو حقيقي وفوضوي. يكتبون مقالاتهم وكأنهم يتقدمون لوظيفة في الأمم المتحدة، لا كأنهم يخاطبون شعبًا يُشوى على نار هادئة. لقد تخلّصوا من الغضب، من الشتيمة، من كل ما يجعل الإنسان إنسانًا، واستبدلوه بابتسامةٍ بلهاء تصلح غلافًا لمجلة أزياء.
هؤلاء ليسوا خونة بالمعنى التقليدي، إنهم أسوأ. إنهم يسرقون من المأساة معناها، يحوّلون الصرخة إلى همس، والدم إلى حبرٍ جاف. إنهم أشبه بمن يلتقط "سيلفي" مبتسمًا في جنازة، ثم يكتب تحت الصورة: "الحياة تستمر".
إنهم تجار الكلمات الباردة، يبيعوننا مواقف معلبة ومنزوعة الدسم. يربحون إعجابات على فيسبوك، ودعوات لمؤتمراتٍ مكيّفة، بينما يربح أطفال غزة شبرًا إضافيًا في مقبرة جماعية.
لذلك، حين تسمع أحدهم يقول لك: "يجب أن نكون موضوعيين"، فاعلم أنه يقصد: "دعوني أحتفظ بصداقاتي على الجانب الآخر من الخندق". وحين يخبرك أن "السلام هو الحل"، فاعلم أنه يخشى أن يخسر مقعده على طاولة العشاء مع أصدقائه الذين يموّلون الحرب.
لكن دم غزة عنيدٌ ولزج، سيلتصق بأيديهم وأقلامهم إلى الأبد. وسيبقى صوت طفلٍ تحت الركام، أغنيةً أصدق من كل بياناتهم، وقصيدةً أقوى من كل كتبهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران تهاجم دولا خليجية وتعلن إغلاق مضيق هرمز


.. صفقة كبرى بين ترامب وإيران؟.. هرمز مقابل النووي!




.. الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وتأسيس العلاقات مع العراق والمحيط


.. ما البرتوكول القطري في مراسم تشيعي الشيخ حمد بن خليفة آل ثان




.. رئيس الوزراء اللبناني الأسبق: الأمير الوالد دعم لبنان ماديا