الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مليار دينار بلا عمل: البرلمان العراقي يبتلع المال ويعطل الاقتصاد

سهام يوسف علي

2025 / 9 / 18
الادارة و الاقتصاد


منذ عام 2022 وحتى اليوم، لم يعقد البرلمان سوى 149 جلسة من أصل 265 كان يفترض عقدها. أي أن 116 جلسة غابت، ومعها غاب التشريع والرقابة، لكن الحضور المالي كان حاضرًا بكل ثقله. إذا قسنا الأمر بمعيار الإنتاجية، فإن كل جلسة انعقدت كلفت الخزينة مليارات، لتصبح أغلى جلسات برلمانية في العالم مقارنة بمخرجاتها

في الحسابات الباردة للأرقام، تقف الحقيقة عارية بلا رتوش، 122 مليار دينار تقاضاها النواب في هذه الدورة البرلمانية بلا عمل يُذكر، فيما الجلسات المعطّلة تروي حكاية مؤسسة تآكلت من الداخل، وتحولت إلى ماكينة لصرف الرواتب لا لإنتاج التشريعات.

لم يكن المشهد أكثر سخرية من برلمان يفشل في عقد جلسته لأن النصاب لم يكتمل، بينما مقاعد "كافتيريا المجلس" تعج بالنواب. إنها صورة تختزل المأساة: الحضور شكلي، والغياب جوهري. كل نائب يتقاضى نحو 27 مليون دينار شهريًا بين راتب وحماية وإيجار، لكن البرلمان لا ينجز إلا جلسة يتيمة في الشهر بدلًا من ثماني جلسات. إنها معادلة عجيبة، كلما قل العمل ارتفعت الكلفة، تمامًا كما في الشركات المفلسة حين تتحول الرواتب إلى استنزاف بلا مردود.

الأمر لا يتوقف عند هدر الرواتب. فالتشريع المعطَّل هو في ذاته خسارة اقتصادية صافية، قوانين الاستثمار تتوقف، الإصلاحات المالية تُرحّل، والبيئة الاقتصادية تغرق في ضباب من عدم اليقين. المستثمر الذي يراقب بغداد من بعيد، يرى برلمانًا عاجزًا عن التصويت على أبسط القوانين، فيتردد، يؤجل، وربما يغادر إلى وجهة أخرى أكثر استقرارًا، هنا يتحول الغياب البرلماني إلى كلفة مضاعفة: أموال تهدر على رواتب بلا عمل، وفرص تضيع بسبب غياب التشريعات.

حين يتلقى النواب كامل رواتبهم رغم الغياب، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع واضحة ،المسؤولية ليست التزامًا، بل امتيازًا. هذه الثقافة تتسرب إلى الموظف، المقاول، وحتى المواطن العادي، فيصبح التهاون في العمل سلوكًا عامًا، وفي علم الاقتصاد، ضعف الثقة بالمؤسسات لا يقل خطورة عن عجز الموازنة ، فالمجتمع الذي يرى قادته يتنصلون من واجباتهم لن يثق بجدوى الضرائب ولا بسلامة القوانين، مما يضعف أساس الدولة كلها.

والمفارقة ان النواب الذين يعطلون القوانين ويتصارعون على مغانم سياسية، هم أنفسهم الذين يطالبون الشعب اليوم ،بمنحهم ولاية جديدة، المشكلة لم تعد في غياب النصاب أو تعطل الجلسات، بل في أن البرلمان تحوّل إلى بازار محاصصة، حيث تباع القوانين وتشترى التحالفات، فيما تترك الدولة رهينة للشلل، الشرعية هنا لم تعد تعني التفويض الشعبي، بل تعني القدرة على إعادة إنتاج الذات، واستمداد الحياة من شبكة التحالفات الخارجية والداخلية، لا من ثقة المواطن.

إن ترشيح نفس النواب الذين فشلوا في أبسط مهامهم ليس مجرد استخفاف بعقل الناخب، بل إعلان واضح بأن السياسة في العراق لم تعد تُدار بمنطق التداول، بل بمنطق إعادة التدوير، إعادة تدوير الطبقة السياسية أشبه بإعادة تدوير الخراب، يغلف بألوان جديدة ، بينما الشعب يدفع الثمن من خبزه، وكرامته، ومستقبله.

السؤال الأهم: هل يملك الناخب العراقي الجرأة ليكسر هذه الحلقة الجهنمية؟إن لم يحدث ذلك، فستبقى الانتخابات مجرد طقس شكلي لإعادة إنتاج الفشل، ويبقى البرلمان مؤسسة استهلاك للمال العام لا أكثر.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تداعيات الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية وأثرها عل


.. تعمير -لقاء مع د/خالد أبو زهرة وحوار بخصوص تعديلات قانون الض




.. إغلاق مضيق هرمز يرفع أسعار النفط ويزيد المخاوف من اضطراب الإ


.. تعمير - تعرف على الاعفائات داخل تعديلات قانون الضريبة العقار




.. تعمير - د/خالد أبو زهرة: الدولة تستهدف حصيلة أقل من الضريبة