الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الخلافة وصراع السلطة .

صفاء الصافي
باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي

2025 / 9 / 19
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


يرى كثير من الباحثين أنّ نشوء الخلافة موضوع معقّد ومتشابك، غير أنّهم لم يجدوا في النصوص الدينية ما يؤسّس لهذه السلطة الدنيوية. فما إن توفّي النبي ﷺ حتى اجتمع الصحابة بعد ساعات قليلة في سقيفة بني ساعدة ليتباحثوا فيمن يتولّى الحكم. ولم يكن النقاش حول شؤون الدين أو مصير الرسالة، بل انحصر في السياسة: من يملك القرار، ومن يدير الدولة الغنية بالموارد والفتوحات المرتقبة.

لم يُعطَ جسد النبي حقّه من مراسم التشييع والدفن بما يليق بمقامه، إذ تحوّل الصراع في السقيفة إلى نزاع على "الملك". وهناك استُحدثت كلمة الخلافة لتصبح فيما بعد عنوانًا شرعيًا لأي قرار سياس حتى لو كان على حساب الدين.

انتهى الاجتماع بمبايعة أبي بكر، بعدما لعب عمر بن الخطاب دورًا محوريًا في تمرير البيعة، رغم أنه كان أحد أبرز المرشحين للمنصب. لكنه، في ظل منافسة أسماء وازنة مثل علي بن أبي طالب وطلحة وأبي عبيدة، رأى أن تقديم أبي بكر سيضمن له موقعًا أقوى لاحقًا. وقد وصف عمر هذه البيعة بأنها "فلتة"، أي حدثت بصورة مباغتة وسريعة.

وقد علّق المستشرقان مونتغمري وات وويلفرد مادلونغ بأن ما جرى في السقيفة لم يكن تأسيسًا دينيًا، بل مجرد تسوية سياسية سريعة لضبط المجتمع بعد وفاة النبي.

وفي المقابل، انعقد في بيت النبي اجتماع آخر جمع أهل بيته وأقاربه، حيث قال العباس لعلي: "أعطني يدك أبايعك إمامًا بعد النبي". كما جاء أبو سفيان إلى علي ليعرض عليه البيعة، وكان منطلقه قبليًا بحتًا، إذ رأى أن المُلك لا يليق إلا ببني عبد المطلب. حتى أبو قحافة والد أبي بكر، استغرب حين علم ببيعة ابنه قائلاً: "وهل رضيت قريش؟"

هكذا كان الصراع في جوهره حول تحويل الدولة الإسلامية إلى إمبراطورية دنيوية أكثر منه استمرارًا لدولة دينية. وقد أشار ابن خلدون (ت 808هـ) إلى أنّ الخلافة تحوّلت من "حراسة الدين وسياسة الدنيا" إلى مجرد ملك دنيوي عضوض.

وبعد ذلك، استولت الخلافة على الدين فحوّلته إلى أداة شرعنة، رغم أنّ أصلها لم ينبع من النص القرآني أو السنة النبوية. وهذا ما أكده علي عبد الرازق (ت 1966م) في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" حيث اعتبر أنّ الخلافة ليست من الدين في شيء، بل مؤسسة سياسية ابتكرها المسلمون لإدارة شؤون دنياهم.

كما يتضح من آلية اختيار الخلفاء أنّ الأمر لم يكن يسير وفق قاعدة دينية موحدة:

أبو بكر: اختير ببيعة سريعة ومفاجئة في السقيفة.
عمر: جرى تعيينه بترشيح مباشر من أبي بكر.
عثمان: اختير عبر لجنة الشورى التي عيّنها عمر.
علي: بايعه الناس بعد اضطرابات وفتن وحاجة لوقف الاقتتال.
معاوية ويزيد: رسّخا مبدأ الوراثة في الحكم.

بهذا تحولت الخلافة من مجرد تسوية سياسية إلى بدعة سلطوية استمرت قرونًا، حتى أصبحت تُقدَّم كأنها ركن من أركان الدين، بينما كانت في الواقع أداة قمع واستبداد، خصوصًا في العهدين الأموي والعباسي.

يتضح مما سبق أنّ الخلافة لم تكن مؤسسة دينية خالصة، بل ابتكار سياسي نشأ في لحظة فراغ بعد وفاة النبي ﷺ، ثم ما لبث أن تحوّل إلى ملك وسلطة دنيوية توسّعت مع الزمن. وقد حاولت الخلافة إضفاء طابع شرعي على وجودها عبر ربط نفسها بالدين، غير أنّ واقع الأحداث يكشف أنّها كانت أداة لتثبيت الحكم وإدارة المصالح أكثر من كونها امتدادًا للرسالة النبوية. ولهذا، فإنّ وصفها بـ"البدعة السياسية" يجد ما يبرّره تاريخيًا وفكريًا، خاصة حين نلحظ كيف تحولت لاحقًا إلى وسيلة للاستبداد والقمع بدل أن تكون ضمانًا للعدل والشورى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. زلزال مميت في كولومبيا يضرب مانيزاليس ويلحق أضرارا بالكاتدرا


.. الرئيس الإيراني يقول إن التواصل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئ




.. افتتاح استثنائي.. الكنيسة الملكية في قصر فرساي تفتح أبوابها


.. خارج الصندوق | حصار شامل.. أميركا تضرب الإخوان في كل مكان




.. بعد تكريم شيخ الأزهر له.. الطفل أنس يبدع في تلاوة القرآن بدو