الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خفافيش النهار

خيرالله قاسم المالكي

2025 / 9 / 19
الادب والفن


المدن القديمة هي أرواحٌ في أجساد العابرين، أولئك الذين يتخطون الهزيمة بمشاعرَ ملتبسة. فليست الحجارة والأحياء وحدها من يجرفها المدّ وينهزم، بل أهلها أيضًا، بمختلف أنسابهم وأعراقهم، وأرواحهم التي تتشبث بالبقاء.

الخفافيش لا تعود كطائر منسيّ، بل أفواجًا من رُزَم الذاكرة، محشوّةً بالخيبات والوعود المعطلة. كرقصاتٍ طقوسية لهواةٍ من زنوج إفريقيين، توارثوا الدفوف والطبول والمزامير، يائسين من صبر الأرض وضراوة الجوع، ومن ظمأ الكائنات الحية والبشر الكاظمين غيظهم.

فلنترقب، فمن هنا يبدأ الحكم، ومن هنا يُطلَق الصَّارخ.

إنها مدينة تكشف عن ماضيها العاري، رحل أهلها، ومع السنين أصبحت ديارها أطلالاً تصحو على أصوات تشبه الأحلام، وطرقاتٍ لا تنتمي لذاتها، محوّرة في شكلها الغريب المنسيّ. لندرك جيدًا: الدمار ليس عودة تلك الخفافيش السوداء من الخارج فحسب، بل هي صور تعيد إليها ماضيها الغارق في نهرٍ ماؤه أسود، لا ينتمي إلى زمنٍ ولا مكان.

تستلقى المدينة نائمة، وهواؤها كثيفٌ بنُذُرٍ دارةٍ بالمطر، تغطُّ في نومٍ مع الندى المتغلغل في جوف الأحياء. إنها أزقةٌ وحاراتٌ معتمة، وبيوتٌ تتنفس بفراغٍ بارد، وبصوتٍ مخنوقٍ خافت. أبوابها المتآكلة، مع جدرانها، تخور في مستنقع آسنٍ يرتجف عند أول نقرة.

نقرةٌ صارخة، غريبة، لا توحي بأنها من بشر… إنها عيون الخفافيش وأجنحتها التي تهزُّ الجدران، وتضرب الأبواب والخشب، متواطئة مع ذاتها، متناغمة مع الدمار والخراب.

كل ما في المدينة يتقارب ويكاد يذوب، ولا يتنفس بحرية معتادة. الخفافيش تأتي أسرابًا متتالية، تظلِّل المدينة وتخنق السماء، تحجب النور والغيوم والرياح والمطر، تحجب الجدران وتغلق الشبابيك والأبواب والمنافذ. يغمر السطوحَ البريئةَ غمامٌ أسود، ويخلف بعده ضبابٌ وغبارٌ يمتد ويلتصق بالأجساد والرؤوس النافقة. أصوات المسافات والخطوات تتكسر مع استثقال السير والطريق.

كأن السماء سكنت، والأرض فقدت عمقها ووجودها الأزلي، وفقدت ذاكرتها.

ما لم يكن في الحسبان: خوف الأبنية من سطوة الخفافيش. تتسلق المآذنَ والأبراجَ والجُورَ الدفينةَ والشقوقَ والجدرانَ، تركع تحت سطوة الألغاء. أحجارها تتساقط كدمعٍ بلا جسد، أو كدمعةٍ ساخنة. والطيور تهرب شاردة إلى فضاءات مجهولة، تتشبث بالبقاء وتأخذ من الحياة سراجًا بلا نور. الحدائق والبساتين تتآكل ويصفر لونها، تتحول إلى صحراء راهبة، تفقد عناوينها وتتشظى في الهواء المستلب.

وفي جذور الأشجار، ينبت ظلٌ ثقيل، مداده أجنحة الخفافيش وبرازها الأسود.

وجوه مكفهرة تتراكم عند أبواب الظل الفارغ، المتصل بالفراغ. ما يلفت النظر: خوف الأمهات اللاتي يخفين خوفهن في المحاجر والقلوب الخاوية، والأطفال ببراءتهم يرسمون دوائر بأيديهم الصغيرة، كأنهم يستحثون الأرض ويخاطبون السماء، يطلبون كسرة ضوءٍ بطعم الخبز الطري. الرجال يتوزعون في الأزقة، حاملين على ظهورهم سِمات البقاء والانتظار.

أسراب الخفافيش لم تكن استباحةً وغزوًا فقط، بل هي وجه آخر مفتوح، فيه من الاحتمالات ما يملأ الكتب والروايات التي أعاد سردها الأجداد والجدات حين يحلُّ النوم وقت الفواجع.

الوجه الآخر يعكس للمدينة تاريخًا، لحظة الهروب في ظل الخفافيش السوداء، لحظة عطشٍ مغروسٍ بالإثم، وجوعٍ يتوارث من زمن إلى زمن، ووجوه لا تعرف غير الغياب والحضور.

أسراب الخفافيش لم تنته، مستمرة، لن تتوقف، تُسبغ السماء بلونها الرمادي الأسود. أجنحتها تَنْطِع بعبارة دائرة سَطْوٍ، تحدث صوتًا كالرمال المهزومة من شراسة اللون الأسود. الجلبة التي تثيرها تشبه دعاء راهبٍ ظَلَّ الطريق، وصلاته التي تعلن للبشرية: "الوَجْدُ ضياع، والخلودُ هراء، واللون الأسود قد لا يتكرر."

نامت المدينة على أحجار صامتة. الخفافيش ينحاز كأنه منهزمٌ لم يأتِ. بيد أن آثاره تبقى تدنّس المدينة والأزقة والشوارع، تاركةً متاعها الأسود على الجدران والسطوح والمنازل، يبقى معلقًا في الهواء أيضًا.

غير أن المدينة تستعيد إرثها، وتخطو، وتعود، تسقط مرة أخرى، ومن جديد، وتلد الكرة. كأن النهاية لم تكن سوى بداية، وعهد جديد، لوجودٍ باقٍ لا ينتهي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه


.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_




.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن


.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل




.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا