الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التبني وأثاره على المتبنى بين الأيجابية والسلبية

رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)

2025 / 9 / 19
المجتمع المدني


يُعتبر التبني من القضايا الإنسانية والاجتماعية التي تناولتها الشرائع الدينية والقوانين الوضعية بطرائق متباينة. فبينما عُرف التبني في الحضارات القديمة كوسيلة لضمان النسب أو تعويض العقم، جاء الإسلام بمنهج وسطي حافظ على الأنساب وفي الوقت نفسه لم يهمل حاجة الطفل للرعاية والاحتضان.

أولًا: التبني في القرآن والإسلام

أبطل الإسلام التبني الذي كان شائعًا في الجاهلية، حيث كان الرجل يتبنى غلامًا فينسبه إلى نفسه ويعامل معاملة الابن الصلبي في الإرث والميراث. وقد نص القرآن الكريم على ذلك بوضوح:

> "وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله" (الأحزاب: 4-5).



فالنسب حق أصيل لا يجوز التلاعب به، ولا يزول إلا بالطرق الشرعية المقررة (كاللعان). ومن هنا فرّق الإسلام بين التبني المحرّم الذي يغيّر النسب، والكفالة المشروعة التي تعني رعاية الطفل ماديًا وتربويًا ونفسيًا دون تغيير اسمه أو إرثه.

وقد حث النبي ﷺ على كفالة اليتيم بقوله: "أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين" (رواه البخاري)، مما يدل على البعد الإيماني والروحي لهذا العمل.

الفرق بين كفالة الفقير وكفالة اليتيم

كفالة الفقير: تقتصر على الدعم المالي أو المعيشي، دون علاقة أبوية أو احتضان دائم.

كفالة اليتيم: تتضمن الرعاية الكاملة (التربية، التعليم، الحماية) ضمن بيئة أسرية، لكنها لا تساوي نسبه بالأسرة الكافلة.


حكم تبني من له أبوان على قيد الحياة

لا يجوز شرعًا تبني طفل له أب وأم على قيد الحياة، لأن ذلك يؤدي إلى ظلم الوالدين وقطع العلاقة الطبيعية بين الطفل وأسرته. الشرع أوجب على الوالدين القيام بواجباتهم تجاه أبنائهم، وأي نقل للنسب أو تبديل له يُعد باطلًا.

اللقيط في الإسلام

اللقيط هو الطفل الذي يُعثر عليه مطروحًا بلا أهل أو نسب معروف. وقد قرر الفقهاء أن اللقيط مسلم بحكم الدار (ابن قدامة، المغني)، وأن نفقته على بيت مال المسلمين إن لم يوجد متبرع. كما أن له حقوقًا كاملة في الرعاية والحماية، ولا يجوز أن يُنسب إلى من وجده، بل يُعطى اسمًا مستقلًا يحفظ له كرامته وهويته.

التبني في الديانات الأخرى

اليهودية: لم تمنع التبني لكنه لا يغير النسب، فالابن المتبنى لا يُعتبر من نسل الكهنة أو اللاويين مثلًا.

المسيحية: أجازت التبني الكامل، وجعلت الطفل المتبنى جزءًا من العائلة قانونًا واجتماعيًا، مستندةً إلى فكرة "البنوة لله بالتبني" الواردة في رسائل بولس الرسول (أفسس 1:5).

الهندوسية: اعتبرت التبني وسيلة لاستمرار النسل والإرث، خصوصًا في حالة غياب الوريث الذكر.


الأبعاد الاجتماعية والنفسية للتبني

الطفل المتبنى إذا عومل كابن صلبي ثم اكتشف لاحقًا حقيقة نسبه قد يتعرض لصدمة نفسية وشعور بالخذلان.

المجتمع أحيانًا ينظر بعطف إلى كافل اليتيم، امتثالًا للحديث الشريف، لكن قد يتعامل بحذر أو سلبية مع مجهول النسب (اللقيط) بسبب الوصمة الاجتماعية.

الدراسات النفسية الحديثة تؤكد أن الوضوح منذ الصغر بشأن هوية الطفل أفضل من إخفاء الحقيقة، لأنه يمنحه استقرارًا نفسيًا ويجنب الصدمات المستقبلية.


القوانين الغربية والتبني

القوانين الغربية (المستمدة غالبًا من التقاليد المسيحية) تجيز التبني الكامل، حيث يقطع الطفل صلته القانونية بأهله الأصليين وينتسب إلى العائلة الجديدة، ويرث منها كما يرث الابن الصلبي. وهذا يخالف الفقه الإسلامي الذي يحفظ النسب ويرفض إلحاقه بغير والده، لكنه في الوقت نفسه يشجع على الوصية للمتبنى بما لا يزيد عن الثلث، ضمانًا لحقه في الرعاية.


---

خلاصة

الإسلام حرّم التبني إذا غيّر النسب، لكنه أباح الكفالة التي تحقق الرعاية والاحتضان. وقد وازن بين حفظ الأنساب ومصلحة الطفل المحتاج، وشرّع للقيط حقوقًا تكفل له حياة كريمة بلا عار أو ظلم. بينما تختلف المواقف في الديانات الأخرى بين السماح بالتبني الكامل (المسيحية والهندوسية) والإبقاء على النسب الأصلي مع الرعاية (اليهودية). أما من الناحية الاجتماعية والنفسية، فإن الكفالة الشرعية تُعد أكثر انسجامًا مع حاجات الطفل وهويته، لأنها تجمع بين الحماية العاطفية وحفظ الحقائق النسبية، وهو ما يجعلها نموذجًا متوازنًا في معالجة قضية التبني.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الرابعة | انفجارات في مدن إيرانية.. وعُمان تؤكد التزامها بات


.. بعد حكم أوروبي.. بولندا تعترف إداريا بزواج المثليين المبرم ف




.. حكم غيابي بإعدام محمد حمدان دقلو، فماذا نعرف عن حميدتي وصعود


.. أخبار الصباح | السودان يحكم غيابيا بإعدام حميدتي.. وتحرك دول




.. المقابلة | خالد محاجنة محامي هيئة الأسرى ونادي الأسير الفلسط