الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شذرات اقتصادية ... هل يكون التعليم الرقمي رافعة للعدالة الاجتماعية ومدخل للتحرر التنموي أم أداة لتكريس الفوارق والتبعية؟ -الجزء الأول-

عائشة العلوي
(Aicha El Alaoui)

2025 / 9 / 20
الادارة و الاقتصاد


تشكل الثورة الرقمية أحد التحولات الكبرى في القرن الحادي والعشرين، إذ غيّرت بعمق العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما في ذلك موازين الحروب والصراعات الإقليمية والعالمية. وقد انعكس ذلك مباشرة على السياسات التعليمية وعلى البنى البيداغوجية والتعلمية. لم يعد بالإمكان التفكير في التعليم في عصر الرقمنة بالتصورات التقليدية المرتبطة بالمناخ الجيوسياسي القديم أو بالثورات الصناعية الماضية، فلكل حقبة آلياتها الخاصة للتغيير والتكيف. من هنا، يصبح من الضروري أن تطور الدولة قدرتها على الاستجابة للمستجدات والمتغيرات الاستراتيجية الكبرى، بما يمكّنها من إيجاد حلول مستدامة تعزز سيادتها وتقوي مكانتها في العلاقات الدولية، وتضمن أمنها واستقرارها الداخلي. ويظل توفير تعليم ذي جودة للجميع حجر الزاوية لتحقيق العدالة الاجتماعية، وأساسًا لكل تحرر اقتصادي، وضمانًا لتعزيز سيادة الدولة واستقرارها السياسي والاجتماعي.

إن توسع التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي والاتصال العالمي يعيد اليوم رسم الحدود بين المعرفة والعمل والمواطنة. وفي ظل هذا النظام الجديد، يغدو الولوج إلى المهارات الرقمية عاملًا حاسمًا للتنافسية الاقتصادية، والاندماج الاجتماعي والاقتصادي، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية. غير أن هذا التحول، على الرغم مما يحمله من فرص غير مسبوقة، ينطوي أيضًا على مخاطر جسيمة، خاصة بالنسبة لبلدان الجنوب؛ حيث يمكن أن تؤدي الرقمنة والذكاء الاصطناعي إلى تكريس "مركز عالمي" متقدم ورقمي، في مقابل "هامش عالمي" مهمّش وتابع. وهي دينامية كان سمير أمين قد نظّر لها في تحليله لعلاقة المركز-الهامش (أمين، 1973).

وعلى المستوى الوطني، قد يقود هذا المسار إلى دينامية مزدوجة: مراكز حضرية متطورة من جهة، وهوامش قروية أو جبلية أو واحات مهمّشة من جهة أخرى. هذه الثنائية تعمّق استمرار اللامساواة الاجتماعية والتهميش الاقتصادي والإقصاء السياسي. ومن هنا ينبثق السؤال الجوهري: هل ستنجح بلدان الجنوب في كسر "اللعنة المفروضة" للفقر والتخلف واللامساواة، أم ستظل خاضعة لتداعياتها؟ وهل تملك القدرة على ضمان تنمية عادلة ومنصفة في كامل ترابها الوطني، أم أن الفوارق المجالية ستواصل تكريس هيمنتها على البنية الاجتماعية والاقتصادية؟

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن مفتاح التنمية والتحرر من هذه «اللعنة» بالنسبة للأمم يكمن أساسًا في التعليم. فالدراسات العلمية الاقتصادية والسوسيولوجية تؤكد أن العامل البشري يمثل الأساس لكل عملية تنموية. ومن ثم، فإن التحرر الاقتصادي لبلدان الجنوب لا يمكن أن ينطلق إلا من خلال تعليم شعوبها. وقد استطاعت الصين، على سبيل المثال، أن تكرّس مكانتها كفاعل رئيسي في النظام الدولي الجديد عبر جعل رأس المال البشري محورًا لاستراتيجيتها التنموية. ومع ذلك، يبقى على كل بلد أن يحدد مساره الخاص؛ غير أن أي نموذج مَهمَا كَان لن ينجح دون نظام تعليمي ذي جودة يستجيب في آن واحد للاحتياجات المحلية للإنسان والمجال، وكذا للأولويات الاستراتيجية الوطنية من أجل بناء دولة قوية وذات سيادة.

ورغم عقود من الوعود بالتنمية، ما تزال دول الجنوب تعاني من تهميش مستمر يوسع الفجوة بين الشمال والجنوب. وتخشى أن تزيد الثورة الصناعية الرابعة من تفاقم هذا الاختلال، نظرًا لسرعة التحولات التكنولوجية التي تولّد لامساواة على مختلف المستويات، وتؤدي إلى تركّز الثروات والسلطة في أيدي أوليغارشية رقمية وتكنولوجية جديدة. هذه الأوليغارشية، التي يمثلها عدد محدود من الفاعلين العالميين (مثل إيلون ماسك، جيف بيزوس، مارك زوكربيرغ، جاك ما، بوني ما)، المهيمنين على الذكاء الاصطناعي والبيانات والبنى التحتية الرقمية، تسهم في تعميق تبعية بلدان الجنوب. وفي هذا السياق، يبرز التعليم الرقمي كرافعة استراتيجية أساسية، ليس فقط لمواجهة مخاطر التهميش والظلم، بل أيضًا كوسيلة لتعزيز السيادة الوطنية ورسم مسار نحو تنمية شاملة وعادلة.

وعلى الرغم من النمو المتسارع للاتصال الرقمي في دول الجنوب وحيوية شبابها، فإن القارة ما تزال تصطدم بعوائق بنيوية مستمرة، من ضعف البنى التحتية وارتفاع التكاليف، إلى الأمية الرقمية والتفاوتات المجالية. ومن دون نموذج تنموي سيادي، قد يتحول الوعد الرقمي إلى عامل إضافي للإقصاء والتبعية والتهميش، سواء على مستوى الشعوب أو الدول. والمغرب ليس استثناءً من هذا المأزق بين وعود الرقمنة وتحدياتها، إذ يتوقف مستقبله بدرجة كبيرة على قدرته على إعادة بناء منظومته التعليمية.

ويجسد المغرب، المنخرط في دينامية التحول الرقمي (المغرب الرقمي 2030)، هذه المعادلة المعقدة بجلاء. فمن جهة، استثمر بشكل واسع في رقمنة الإدارة وتحديث نظامه التعليمي. ومن جهة أخرى، يواجه تحولات نظامية ثلاثية الأبعاد: (1) إعادة هيكلة منظومته التعليمية لمواكبة متطلبات المعرفة والابتكار المعاصرة؛ (2) صعود اقتصاد رقمي يعيد تشكيل الديناميات الإنتاجية والتنافسية وأنماط الاستهلاك؛ (3) إعادة تركيب نسيجه الاجتماعي تحت تأثير التحولات الديمغرافية ومقتضيات العدالة الاجتماعية والمجالية.

في ضوء ذلك، تُطرح الإشكالية المحورية التالية: هل يمكن أن يشكل التعليم الرقمي في المغرب (وفي دول الجنوب باستثناء الصين) رافعة استراتيجية لتحقيق العدالة الاجتماعية والتحرر الاقتصادي، أم أنه قد يؤدي على العكس إلى تفاقم التفاوتات الاجتماعية والمجالية وتعزيز التبعية للدول المتقدمة وللأوليغارشية الرقمية والتكنولوجية العالمية؟

وإيمانًا بأن التعليم عمومًا، والتعليم الرقمي خصوصًا كتطور موضوعي للنظام الاقتصادي العالمي، يمكن أن يسهم في تقليص الفوارق التعليمية وتعزيز الإدماج الاجتماعي ودعم التحرر الاقتصادي، فإن الرهان الأساسي يظل مرتبطًا بوجود إرادة سياسية وإدراك استراتيجي بأن بناء الدولة القوية والسيادية لا يتحقق إلا عبر بناء مجتمع المعرفة بما في 1لك المعرفة الرقمية كجزء مهم من المتغيرات الاجتماعية الحالية.

أدافع، في هذا الإطار، عن أطروحة مفادها أن التعليم الرقمي ينبغي أن يُصمَّم كمشروع بنيوي يستهدف في آن واحد توسيع القدرات الفردية وتعزيز السيادة الوطنية. إن مثل هذا التصور، القائم على التحرر الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، يمثل شرطًا أساسيًا لتحويل الثورة الرقمية إلى فرصة فعلية لتحقيق تنمية شاملة وعادلة في المغرب. وهذا ما ستبرزه الأجزاء اللاحقة من هذا المقال.

مقال مترجم عن مداخلة في ندوة علمية نُظمت بمراكش – المغرب، بتاريخ 2 و3 ماي 2025 بعنوان:
"L’éducation digitale comme levier stratégique pour la justice sociale et l’émancipation économique au Maroc"
"Digital education as a strategic lever for social justice and economic emancipation in Morocco"

عائشة العلوي، أستاذة جامعية وخبيرة اقتصادية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من يحكم صحراء الذهب في السودان؟


.. قراءة اقتصادية.. تداعيات الحرب تمتد إلى جيوب الأمريكيين عبر




.. قراءة اقتصادية.. كيف أثرت الحرب وإغلاق هرمز على واردات الصين


.. قراءة اقتصادية | التصعيد الأمريكي الإيراني.. مخاوف على إمداد




.. قراءة اقتصادية.. تأثير التوترات الجيوسياسية على إمدادات الم