الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الجزائر ونوميديا : هوية ضاربة في عمق الزمن

محفوظ بجاوي

2025 / 9 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


منذ أقدم العصور، شكّلت الجزائر فضاءً حضاريًا أصيلًا في قلب شمال إفريقيا. وعلى أرضها قامت مملكة نوميديا التي أسّسها الملك العظيم ماسينيسا في القرن الثالث قبل الميلاد، وهو أوّل من وحّد القبائل الأمازيغية تحت راية دولة مركزية لها سيادة وقوانين وحدود وجيش. لم تكن نوميديا مجرّد كيان سياسي عابر، بل هي اللبنة الأولى التي أرست معنى الدولة في هذه الأرض، وجعلت من الجزائر قلبًا نابضًا للحضارة الأمازيغية.
لقد أدرك ماسينيسا أن أساس قوة الأمة يكمن في الأرض والهوية، ولذلك رفع شعارًا ظل خالدًا عبر القرون: «إفريقيا للأفارقة». لم يكن يستجدي نسبًا من الشرق أو الغرب، ولم يطلب اعترافًا من غزاة البحر المتوسط، بل بنى مجده على أصالته، فأقام الزراعة، وطوّر العمران، ووطّد أركان جيشٍ صار شوكة في حلق روما وقرطاجة على السواء.
هذا التاريخ العريق يبيّن لنا أن الجزائر لم تكن يومًا "دار أيتام للأنساب" كما يروّج البعض، ولم تنتظر سفيرًا أجنبيًا ليحدّد نسبها أو يوزّع عليها هوية مستوردة. فالأرض التي أنجبت ماسينيسا، وأنجبت من بعده يوغرطة، والمقاومات الشعبية من الملكة ديهيا الملقبة بالكاهنة، إلى أكسيل القلب العظيم، ثم الأمير عبد القادر، والمقراني، وبوعمامة، ورجال نوفمبر: عميروش، وديدوش، وبن مهيدي، وعبان، وبوضياف، وغيرهم… لا يمكن أن تُختزل في نسبٍ عابر أو غزوٍ طارئ.
صحيح أن الجزائر تعرّضت عبر القرون إلى موجات من الغزوات: الرومان، الوندال، البيزنطيون، العرب، الأتراك، فالفرنسيون. وصحيح أن هؤلاء تركوا بصماتهم بدرجات متفاوتة. لكنهم جميعًا ظلّوا عابرين، بينما بقيت الجذور الأمازيغية ضاربة في الأرض، تتجدّد وتعيد إنتاج ذاتها رغم كل العواصف. إنّ أبناء هذه الأرض لم يذوبوا في غزوات عابرة، بل استوعبوها وأذابوها في هويتهم العميقة.
ولذلك فإن أي محاولة اليوم لفرض نسب أجنبي على الجزائريين ـ سواء جاء من سفير تركي أو من أصوات تدّعي الانتماء إلى اليمن أو الشام أو الأندلس ـ ليست سوى إساءة إلى الذاكرة الجماعية. الجزائر لم تُخلق بلا جذر، بل لها أصل أوضح من الشمس: نوميديا، حضارتها الممتدة، وشهداؤها الذين ارتوت الأرض بدمائهم.
إن أخطر ما يواجهنا اليوم ليس خطاب السفراء، بل تلك التربة الهشّة التي وفّرها بعض الجزائريين حين صاروا يتسوّلون الأنساب: مرّة يزعمون أنهم يمنيون، وأخرى فينيقيون، أو كنعانيون… وكأن الأصل الأمازيغي لا يكفيهم! هؤلاء هم عرّابو الوهم، وباعة الهوية في سوق التاريخ الرخيص.
لكن الحقيقة التي يثبتها التاريخ والأنثروبولوجيا معًا هي أن الجزائر سيدة الحضارات، وليست لقيطة غزوات. جذورها تمتد آلاف السنين، من نوميديا العريقة وماسينيسا الحكيم، وصولًا إلى نوفمبر المجيد وشهداء الاستقلال الذين لُفّوا بعلم الهلال والنجمة.
ومن هنا، وجب على الدولة ومؤسساتها ـ من الخارجية إلى الثقافة والدفاع ـ أن تتحمّل مسؤوليتها في حماية الهوية الوطنية، وسنّ قوانين صارمة ضد كل من يتجرّأ على التشكيك في أصالتها. فالسكوت ليس حكمة، بل تقصير في حق وطن قدّم ملايين الشهداء ليبقى حرًّا مستقلًا.
الجزائر لا تحتاج شهادة نسب من أحد. الجزائر تُعرّف نفسها بنفسها: بتاريخها، بأرضها، بشعبها، وبحضارتها التي سبقت الغزاة وستظل بعد رحيلهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن تشدد الحصار على إيران في مضيق هرمز وتواصل استهداف موا


.. سياق الحدث | هل تجاوز التصعيد الأمريكي الإيراني سقف مذكرة ال




.. عاجل | ترامب يعلن رفع السرية عن معلومات استخباراتية حساسة تت


.. عاجل | ضربات أميركية واسعة تستهدف مطارا وجسورا في إيران




.. تحليل مكاني لحرائق ألميريا بإسبانيا يكشف حجم الدمار الكارثي