الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الوعي غربال... بين المجاملة واللباقة والتملق

بشار مرشد
كاتب وباحث

(Bashar Murshid)

2025 / 9 / 21
قضايا ثقافية


​مقدمة:
​التملق في ظاهره كلام جميل، لكنه في جوهره خداع رقيق. يظن المتملق أنه يملك ذكاءً خاصاً، وأنه يستطيع أن يفتح القلوب بالمديح، بينما يفقد احترامه لنفسه شيئاً فشيئاً. في المقابل، الممدوح زيفاً يعيش التناقض نفسه: قد تعجبه الكلمات للحظة، لكنها لا تمنحه دفئاً حقيقياً، إذ يشعر أن ما يسمعه ليس عن ذاته، بل عن صورة مزيفة تُقدَّم له لغاية أخرى.

​التملق كسرابيل واهية:
​يظهر التملق كـثياب زائفة: يظنها الناس سترة تحمي، لكنها لا تحمي من حر الحقيقة ولا تحفظ دفء الصدق. يلبسها المجتمع حين يخاف المواجهة، فيتزين بالكلمات، بينما يبقى عارياً أمام نفسه. الفرق بين التملق والمجاملة واللباقة يحدده الوعي والنية. المجاملة تضيء الحسن من دون أن تُنكر العيوب، واللباقة تهذب الصراحة لتصل بلطف، أما التملق فيزوّر الحقيقة لمصلحة ضيقة.

​تأثير التملق على المجتمع:
​حين يشيع التملق، يصبح الصدق غريباً، بل مؤذياً في عيون من اعتادوا المديح. يتحول المجتمع إلى مسرح مليء بالتصفيق، لكن بلا حرارة حقيقية. الوعي هنا هو السلاح ضد هذه الأقنعة الزائفة: أن تقول الكلمة وأنت تحترم نفسك وتحترم الحقيقة يمنح العلاقة دفئاً وقوة، أما التملق، مهما بدا براقاً، يظل وهماً لا يستر ولا يحمي.

​التملق في عيون المراقب:
​التملق ليس علاقة بين شخصين فقط، بل مرآة يظهر فيها كل طرف:

*​المتملق: غالباً يُنظر إليه كمن يتنازل عن كرامته ليكسب رضا الآخرين. قد يُرى ماكراً أو انتهازياً، لكنه في النهاية يُفقد احترامه. الابتسامات التي يلقاها غالباً مجرد غلاف، والناس في داخلهم يعرفون أنه يبيع الصدق بأرخص ثمن.

*​الممدوح زيفاً: هو أيضاً ليس في مأمن. إن بدا مستمتعاً بالتملق، يُنظر إليه كضعيف يحتاج لتغذية وهمية، وإن قبل التملق من دون رد، بدا متغطرساً يستمتع بسلطة وهمية. حتى من يمدحونه، قد يتهامسون أنه يعيش في سراب لا في حقيقة.

*​عيون المراقب: المراقب يكشف الحقيقة: يرى المتملق كمن فقد احترامه، والممدوح زيفاً كمن يعيش على وهم، ويرى بينهما شراكة في خدعة مشتركة. التصفيق الذي يبدو إعجاباً غالباً ما يكون مراقبة صامتة وتحليلاً لكل حركة وكلمة.

​الأقنعة الزائفة:
​التملق يظهر على شكل أقنعة مزدوجة: قناع يلبسه المتملق ليخفي ضعفه ونواقصه، وقناع آخر يلبسه الممدوح زيفاً ليخفي حاجته المستمرة للثناء والموافقة. من بعيد، يلاحظ المراقب أن كلا الطرفين يعيشان في وهم؛ لا أحد منهما محمي من حرارة الواقع أو برودة الحقيقة. ما يبدو في الظاهر دفئاً أو انسجاماً، يتكشف سريعاً كقناع فارغ لا يغني عن الصدق.
​التملق مفتاح للفساد وعقبة للإبداع
​التملق ليس مجرد كلام زائف، بل هو مفتاح للفساد وسلم للانتهازية. يغري بعض الأفراد بتجاوز القيم والواجبات، ويخلق بيئة يربح فيها المزيف على حساب الصادق. كما أنه عقبة أمام الريادة والإبداع: فمن يعتاد على التملق يبتعد عن المخاطرة، ويعتمد على قبول الآخرين الزائف بدلاً من الابتكار الحقيقي. وهكذا، لا يخسر المتملق وحده، بل المجتمع بأسره يفقد فرص التقدم والصدق في العمل والعلاقات.

​خاتمة:
​في النهاية، لا يكسب أحد. المتملق يخسر صورته أمام المراقبين، والممدوح زيفاً يخسر ثقتهم. ما يبدو لحظة دفء ينكشف سريعاً كقناع فارغ لا يقي ولا يغني. الوعي والنية الصافية هما الطريق الوحيد لتجاوز الأقنعة الزائفة، وإعطاء الكلمة صداها الحقيقي ودفء الصدق في العلاقات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. DEBAT • فرانس 24 / FRANCE 24


.. تريتا بارسي: غموض يحيط بالبرنامج النووي الإيراني.. وإسرائيل




.. غزة بين الفيتو الإسرائيلي والحلول المفروضة باسم السلام.. هل


.. موازين | حماس.. تحديات الواقع وخيارات المستقبل




.. نافذة من سوريا تسلط الضوء على التوغل الإسرائيلي في القنيطرة