الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عقوبات المستوطنين: تبرئة الدولة وتجاهل جوهر المشكلة

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2025 / 9 / 23
القضية الفلسطينية


شهدت الساحة الدولية مؤخراً تحركات من قبل قوى عالمية كبرى، مثل الولايات المتحدة، بريطانيا، كندا، فرنسا، الاتحاد الأوروبي، وبالأمس سنغافورة لفرض عقوبات على أفراد من المستوطنين الإسرائيليين.
للوهلة الأولى، قد تبدو هذه الخطوات إيجابية، وكأنها تعكس إرادة دولية للجم العنف المتصاعد في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومحاسبة المسؤولين عنه. إلا أن نظرة أعمق تكشف عن تناقض خطير في جوهر هذه العقوبات، حيث إنها، رغم ظاهرها، قد تخدم غرضاً معاكساً تماماً، وهو تبرئة الدولة الإسرائيلية من مسؤوليتها المباشرة عن مشروع الاستيطان وتداعياته، وتجاهل جوهر المشكلة الحقيقية.
إن الفكرة المحورية التي تكمن وراء هذه العقوبات هي تقديم المستوطنين كـ"عناصر متطرفة" أو "تفاحات فاسدة" تعمل بشكل مستقل ومنفصل عن الدولة وسياساتها. هذا الإجراء، وإن بدا وكأنه يوجه اللوم، فإنه في حقيقته يجزئ المسؤولية ويحصرها في عدد قليل من الأفراد. فبدلاً من تحميل المسؤولية للمنظومة السياسية والقانونية والعسكرية التي تسمح بوجود المستوطنات وتوسعها وتحمي عنف المستوطنين، يتم إلقاء اللوم على أفراد محددين.
هذا التكتيك يتجاهل البنية التحتية الكاملة للاحتلال؛ فالمستوطن لا يعمل في فراغ، بل يعيش في مستوطنة بنتها الدولة، ويسير على طرق خصصتها الدولة، ويحميه الجيش الإسرائيلي، وغالباً ما يفلت من العقاب في النظام القضائي الإسرائيلي. بالتالي، تخلق هذه العقوبات واقعاً زائفاً يوحي بأن المشكلة هي "عنف بعض الأفراد" وليس "مشروع الاستيطان" بحد ذاته، والذي يعتبر غير قانوني بموجب القانون الدولي، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة.
تتجلى في هذه العقوبات أيضاً افتقار واضح للجرأة السياسية من قبل الدول التي تفرضها. إن فرض عقوبات على أفراد هو إجراء "منخفض التكلفة" سياسياً مقارنة بفرض عقوبات على دولة حليفة مثل إسرائيل. هذه الدول تتجنب المواجهة الدبلوماسية المباشرة؛ فتوجيه الاتهام الصريح لإسرائيل وتحميلها المسؤولية كدولة يفتح الباب أمام أزمات دبلوماسية، وتوترات اقتصادية، وضغوط سياسية داخلية قد لا ترغب هذه الدول في تحملها. علاوة على ذلك، ترتبط العديد من الدول الغربية بتحالفات استراتيجية وعسكرية واقتصادية عميقة مع إسرائيل، واستهداف الدولة مباشرة يهدد هذه المصالح. لذا، تعمل العقوبات الفردية كخطوة رمزية لإظهار "الاستياء" دون المساس بجوهر العلاقة، وفي الوقت نفسه، تهدف إلى إرضاء الرأي العام المحلي والدولي الذي يطالب بالتحرك ضد انتهاكات حقوق الإنسان، دون اتخاذ إجراءات جذرية قد تكون لها عواقب وخيمة على علاقاتها الثنائية.
من منظور القانون الدولي والمسؤولية الحقيقية، تمثل هذه الإجراءات "التفافاً" واضحاً على المبادئ الأساسية. فبموجب القانون الدولي الإنساني، تتحمل إسرائيل، بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، المسؤولية الكاملة عن حماية السكان المدنيين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. هذا يشمل حمايتهم من عنف مواطنيها (المستوطنين). وعندما تتقاعس الدولة عن التحقيق في جرائم المستوطنين ومحاكمتهم بشكل فعال، فإن هذا التقاعس يرقى إلى مستوى التواطؤ ويجعل الدولة نفسها مسؤولة بشكل مباشر. إن الإجراء الصواب، كما تمليه العدالة والقانون الدولي، هو التعامل مع مشروع الاستيطان ككل باعتباره غير شرعي، والضغط على الحكومة الإسرائيلية لتفكيكه ووقف عنف المستوطنين، وليس فقط معاقبة بعض رموزه.
إن النتيجة العملية لهذه العقوبات هي أنها تمنح ضوءاً أخضر للمنظومة الاستيطانية والدولة الراعية لها. عندما ترى هذه المنظومة برمتها (مستوطنون وحكومتهم) أن أقصى رد فعل دولي هو عقوبات فردية على عدد محدود من الأشخاص، فإن الرسالة التي تصلهم واضحة: "الاستمرار مسموح به" و"التكلفة مقبولة".
فطالما أن العقوبات لا تمس الدولة ومؤسساتها، ولا تمس الكيان الاقتصادي والسياسي للمستوطنات ككل، فإن المشروع يمكن أن يستمر ويتوسع.
إن التضحية ببضعة أفراد كـ"كبش فداء" هي تكلفة مقبولة جداً مقابل الاستمرار في التوسع الاستيطاني وتحقيق الأهداف السياسية الأكبر. بل إن ضعف الردع الدولي قد يشجع الأطراف الأكثر تطرفاً على تصعيد انتهاكاتها، طالما أنهم يشعرون بأن هناك حصانة ممنوحة من دولتهم، وأن العقاب الدولي (إن وجد) سيكون محدوداً وسطحياً.
في الختام، يمكن القول إن العقوبات الفردية المفروضة على المستوطنين، على الرغم من أنها قد تبدو خطوة إيجابية في ظاهرها، إلا أنها قد تخدم في الواقع غرضاً عكسياً. إنها تبرئ الدولة الإسرائيلية من مسؤوليتها المباشرة، وتسمح للمجتمع الدولي بالظهور بمظهر من يتخذ إجراءً حاسماً بينما هو في الحقيقة يتجنب المواجهة الحقيقية مع جذر المشكلة، وهو الاحتلال ومشروع الاستيطان الذي ترعاه الدولة. إنها تعالج العرَض (عنف الأفراد) وتتجاهل المرض (الاحتلال وسياسات التوسع). يتطلب الأمر رؤية أعمق وإجراءات أكثر جرأة وفعالية تتناول جذر المشكلة، وليس فقط مظاهرها السطحية، مع التأكيد على ضرورة المساءلة الشاملة والضغط الدولي الحقيقي لإنهاء الاحتلال ومشروع الاستيطان غير الشرعي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن تشدد الحصار على إيران في مضيق هرمز وتواصل استهداف موا


.. سياق الحدث | هل تجاوز التصعيد الأمريكي الإيراني سقف مذكرة ال




.. عاجل | ترامب يعلن رفع السرية عن معلومات استخباراتية حساسة تت


.. عاجل | ضربات أميركية واسعة تستهدف مطارا وجسورا في إيران




.. تحليل مكاني لحرائق ألميريا بإسبانيا يكشف حجم الدمار الكارثي