الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قمة -شنغهاي- والاستعراض الجيوسياسي: هل ينكسر احتكار الغرب للقرار الدولي؟

ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)

2025 / 9 / 23
السياسة والعلاقات الدولية


يُعدّ النظام الدولي الراهن في مرحلة مفصلية، حيث تتقاطع فيه ديناميكيات التنافس بين القوى العظمى مع محاولات دولية لتشكيل ترتيبات جديدة تتجاوز الهيمنة الغربية التي تكرّست منذ مطلع القرن العشرين.
وفي هذا السياق، شكّل الاجتماع الثلاثي في بكين بين الرئيس الصيني "شي جينبينغ"، ونظيره الروسي "فلاديمير بوتين"، والزعيم الكوري الشمالي "كيم جونغ أون"، إلى جانب قمة منظمة شنغهاي للتعاون، حدثاً سياسياً واستراتيجياً لافتاً، عكس توجهاً متصاعداً نحو تعددية قطبية ناشئة تقف في مواجهة الأحادية الأميركية.
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تبنت الولايات المتحدة سياسة تقوم على تكريس موقعها كقوة أحادية مهيمنة على النظام الدولي، وقد تجسّد ذلك في توسع حلف شمال الأطلسي، والتدخلات العسكرية المباشرة في مناطق عدة، من البلقان إلى الشرق الأوسط.
إلا أنّ العقدين الأخيرين أظهرا حدود هذه الهيمنة، خاصة بعد فشل التجارب الأميركية في العراق وأفغانستان، وتصاعد القوة الاقتصادية والتكنولوجية للصين، وعودة روسيا إلى المسرح الدولي عبر سياسات تدخلية في جورجيا وسورية وأوكرانيا.
إلى جانب ذلك، أسهمت التحديات العابرة للحدود، مثل الأزمات الاقتصادية والمالية، والتغير المناخي، والجائحة العالمية، في كشف ضعف قدرة القوة الأحادية على فرض حلول شاملة، ومن هنا برزت الحاجة إلى إعادة توزيع مراكز الثقل الدولي، بما يتيح مجالاً أكبر لصعود قوى آسيوية ونامية.
لم يكن اللقاء الذي جمع قادة الصين وروسيا وكوريا الشمالية حدثاً بروتوكولياً عادياً، بل حمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز الرمزية، فإلى جانب الاستعراض العسكري الذي عرضت فيه بكين أسلحة نوعية، بينها "الثالوث النووي"، جاءت القمة كرسالة واضحة للولايات المتحدة وحلفائها بأن التحالفات البديلة لم تعد مجرد فكرة، بل باتت واقعاً سياسياً وعسكرياً في طور التبلور.
قمة "شنغهاي للتعاون"، التي ضمت نحو عشرين رئيس دولة، عكست أيضاً انتقال المنظمة من كونها إطاراً إقليمياً للتنسيق الأمني والاقتصادي، إلى منصة أوسع تُظهر تماسكاً آسيوياً في مواجهة الضغوط الغربية. ومن ثمّ، يمكن اعتبار أن ظهور "بوتين وكيم" إلى جانب "شي" في بكين، يعكس محاولة لبلورة جبهة آسيوية – أوراسية قادرة على موازنة النفوذ الغربي.
وقد أثار الاجتماع الثلاثي استياءً واضحاً لدى الولايات المتحدة وأوروبا، فقد وصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب القمة بـ"المؤامرة"، في إشارة إلى إدراكه بأن التحركات الصينية – الروسية – الكورية لا تستهدف مجرد إبراز رمزية مضادة، بل تسعى لتقويض أسس الهيمنة الأميركية.
تجد واشنطن نفسها اليوم أمام معضلة مزدوجة: من جهة، الانخراط العميق في الحرب الأوكرانية وما تفرضه من استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي؛ ومن جهة أخرى، التحدي الصيني المتنامي في المجالات التكنولوجية والعسكرية والبحرية، والذي يتقاطع مع ملفات شائكة مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي. هذا فضلاً عن أن قدرة الولايات المتحدة على إدارة شبكة تحالفاتها التقليدية (الناتو، اليابان، كوريا الجنوبية) تواجه ضغوطاً متزايدة نتيجة اهتزاز الثقة في القيادة الأميركية.
ولم يقتصر الانزعاج من مخرجات قمة شنغهاي والاجتماع الثلاثي على واشنطن، بل امتد إلى أوروبا التي وصفت الاجتماع بأنه "تحدٍ مباشر للنظام القائم على القواعد"! فقد أعربت مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية "كايا كالاس" عن قلقها من وقوف "شي" إلى جانب قادة روسيا وإيران وكوريا الشمالية في مشهد يعكس، بحسب تعبيرها، "سلوكاً غير مسؤول"!
وعليه، فإن القارة العجوز تبدو رهينة للموقف الأميركي أكثر مما هي قادرة على صياغة استراتيجية خاصة بها في هذا الصراع الجيوسياسي.
في ضوء هذه التحولات، يمكن استشراف عدة سيناريوهات:
1. ترسخ التعددية القطبية: بحيث تشهد الساحة الدولية مزيجاً من القوى الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الهند، الاتحاد الأوروبي) تتقاسم النفوذ في مجالات مختلفة، بما يقلل من فرص الانفراد بالقرار الدولي.
2. ثنائية أميركية–صينية: قد تتكرّس إذا تمكنت بكين من فرض نفسها كمنافس أوحد للولايات المتحدة، مع تراجع الدور الروسي نتيجة الاستنزاف في أوكرانيا.
3. فوضى دولية: إذا فشلت القوى الكبرى في إدارة التنافس وضبط التفاعلات الإقليمية، فقد ينشأ نظام عالمي غير مستقر قائم على الصراعات المفتوحة والتحالفات المتغيرة.
تشير المؤشرات الراهنة إلى أن النظام الأحادي القطبية الذي تزعّمته الولايات المتحدة منذ مطلع التسعينيات يواجه تحديات بنيوية عميقة، فالتحالفات الآسيوية الجديدة، بين الصين وروسيا وكوريا الشمالية، تمثل نقلة نوعية في إعادة صياغة موازين القوى، وسياسة الإدارة الأمريكية الحالية ساهمت في انضمام الهند وإيران الى هذا التحالف، ما يعززّ من مكانته العالمية، الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية، ومع أن واشنطن ما تزال تحتفظ بتفوق اقتصادي وعسكري واسع، إلا أن قدرتها على فرض هيمنتها دون منازع تتراجع تدريجياً.
يمكن القول إننا لسنا أمام انهيار فوري للأحادية الأميركية، بل أمام مسار تاريخي طويل الأمد نحو عالم متعدد الأقطاب، تتقدم فيه آسيا لتستعيد مكانتها كمركز فاعل في إدارة النظام الدولي.
ويبقى السؤال المفتوح: هل ستنجح القوى الصاعدة في صياغة نظام أكثر عدلاً وتوازناً، أم سنشهد إعادة إنتاج صراعات كبرى بوجوه قديمة- جديدة؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب يطالب بغرينلاند ويشكك في التزام أوروبا الدفاعي عن أمير


.. ترمب عن مقتل رينيه غود: الهجرة تخطئ أحيانا




.. مراسل الجزيرة: أهالي معتقلي سجن -الأقطان- يحاولون الوصول لأب


.. تعرف على أسباب تسابق القوى الكبرى لبسط نفوذها على جزيرة غرين




.. تحسبا للقادم.. حكومة غرينلاند تحث مواطنيها على الاستعداد لكل