الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الماء بين الأمس واليوم: مقارنة بين مشروع سنحاريب المائي ومشروع مسرور البارزاني المائي في أربيل

عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

2025 / 9 / 24
قضايا ثقافية


منذ فجر التاريخ، كان الماء عصب الحياة ومصدر بقاء المدن وازدهارها. وأربيل، المدينة العريقة التي تعانق قلعتها السماء، كانت وما تزال بحاجة دائمة إلى مشاريع استراتيجية لتأمين المياه. في القرن السابع قبل الميلاد، شيّد الملك الآشوري سنحاريب مشروعاً هندسياً عظيماً لنقل المياه من بستورة إلى أربيل، عُرف لاحقاً باسم مشروع سنحاريب المائي. واليوم، بعد مرور أكثر من سبعة وعشرين قرناً، يفتتح رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني مشروعاً جديداً لتزويد المدينة بالمياه، يمكن أن يُطلق عليه بحق مشروع مسرور البارزاني المائي، ليكون بمثابة “سنحاريب العصر الحديث” في خدمة أربيل وأهلها.

مشروع سنحاريب المائي: عبقرية الآشوريين

في العصر الآشوري الحديث، أدرك سنحاريب أن السيطرة على الماء تعني السيطرة على المدينة والحياة نفسها. لذلك أمر بإنشاء شبكة من القنوات المائية والأنفاق والجسور الحجرية (الأكوادكت) لنقل مياه بستورة إلى أربيل.
اعتمد المشروع على الانحدار الطبيعي، حيث جرى ضبط الميلان بعناية مذهلة مكّنت المياه من التدفق المستمر نحو القلعة. لم يكن الهدف مقتصراً على الشرب، بل شمل توفير الري للزراعة وضمان اكتفاء المدينة الغذائي، إضافة إلى تعزيز مكانة أربيل كحاضرة آمنة ومزدهرة داخل الدولة الآشورية. لقد جسّد هذا المشروع روح العصر: الجمع بين الهيبة الملكية والقدرة الهندسية.

مشروع مسرور البارزاني المائي: رؤية حديثة

في القرن الحادي والعشرين، تتكرر الحاجة نفسها لكن في سياق مختلف. مدينة أربيل اليوم لم تعد قلعة محصنة يسكنها الآلاف، بل حاضرة كبرى يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، تحتضن أحياء سكنية ومشاريع صناعية وتجارية واسعة. من هنا جاءت مبادرة حكومة الإقليم لتنفيذ مشروع مسرور البارزاني المائي، الذي يُعد من أضخم مشاريع البنية التحتية الحديثة في قطاع المياه.
يقوم المشروع على شبكات أنابيب ضخمة من الفولاذ والبلاستيك، مدعومة بـ محطات ضخ كهربائية متطورة، إضافة إلى محطات تنقية ومعالجة تضمن وصول مياه نظيفة وصحية وفق المعايير العالمية. هذا المشروع لا يلبي الحاجة اليومية للسكان فحسب، بل يشكّل دعامة أساسية للتنمية الاقتصادية والصحية ويمنح المدينة أفقاً جديداً للنمو المستدام.
وبذلك يمكن القول إن مسرور بارزاني قدّم لأربيل ما قدمه سنحاريب قبل آلاف السنين، ليصبح بحق “سنحاريب العصر الحديث”.

عند النظر إلى المشروعين معاً، نجد أن كليهما انطلق من الحاجة ذاتها: الماء أساس البقاء. لكن أدوات العصر هي التي اختلفت.

في مشروع سنحاريب، كان الحجر والطين وأثر الجاذبية الطبيعية هي الوسائل الرئيسة.

بينما في مشروع مسرور البارزاني، نجد التقنيات الحديثة من أنابيب ومضخات ومحطات معالجة.

كذلك يختلف الهدف الاجتماعي والسياسي:

- سنحاريب أراد أن يؤمّن بقاء القلعة ويعزز سلطة الدولة الآشورية.

- أما مسرور بارزاني فهدفه دعم مدينة عصرية تضاهي مثيلاتها في العالم وتستجيب لمتطلبات الصحة والتنمية.

- ورغم هذا التباين، يظل المشروعان رمزاً لـ القدرة على تحويل الطبيعة لخدمة الإنسان، ولتأكيد أن أربيل مدينة لا يمكن أن تعيش أو تزدهر من دون الماء.

من مشروع سنحاريب المائي في أعماق التاريخ إلى مشروع مسرور البارزاني المائي في حاضرنا، تبدو أربيل وكأنها تعيد كتابة حكايتها مع الماء. المشروع الأول كان أسطورة هندسية صنعتها الإمبراطورية الآشورية، والثاني هو إنجاز حديث يعبّر عن طموحات إقليم كوردستان في بناء مستقبل مستدام. وبينهما خيط واحد لا ينقطع: أن الماء ظل على مر العصور سرّ الحياة، وبه تقاس قوة المدينة وازدهارها. وإذا كان سنحاريب قد رسّخ حضارة الماضي، فإن مسرور بارزاني يُثبت اليوم أنه “سنحاريب العصر الحديث” الذي يمد أربيل بشريان الحياة من جديد








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد إغلاق قنصليتها في القدس.. هل يتصاعد التوتر بين بريطانيا


.. تسجيل 38 قائمة وحزبا سياسيا في الانتخابات العامة الإسرائيلية




.. التيارات السياسية في إيران بين تداعيات الحرب وصنع القرار


.. نتنياهو: إسرائيل لن تسمح لأي جيش بالتمركز على حدودها




.. خارج الصندوق | وزير دفاع إسرائيل لـ-الشرع-: نحن على جبل الشي