الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


كولومبيا تصرخ... والعرب يبتلعون ألسنتهم

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2025 / 9 / 26
القضية الفلسطينية


في سيرك الأمم المتحدة، حيث يتقافز المهرجون الدبلوماسيون بأقنعة القلق الحريرية، وحيث كل شيء معروض للبيع بدءاً من القرارات وانتهاءً بالضمائر، نهض فجأة رجل لم يأتِ من حاراتنا المألوفة. رجل من كولومبيا، تلك البلاد التي لا نذكرها إلا حين نشتهي قهوة مرة كأيامنا، أو حين نحلم بخصر راقصة سالسا يتمايل كأحلامنا الضائعة. اسمه جوستافو بيترو، رئيسهم الذي قرر، دون استئذان، أن يبصق في بئر صمتنا الجماعي.
لم يلقِ شعراً ولم يخطب كقادة التحرير على ظهور الخيول. ببساطة فلاح يرى الذئب ينهش غنمه، خلع حذاءه الدبلوماسي ودق به على رؤوس الجميع. قال إن نتنياهو "مجرم حرب"، وكأنه يصف لون قميصه. مسح وجوه الغرب المعطّرة بوحل الجريمة، وصرخ في الميكروفون أن يتوقفوا عن عدّ الجثث في غزة وكأنها أرقام يانصيب. لم يكن خطاباً، كان فضيحة. فضيحة فجّرت صدور الصمت العربي التي انتفخ بغازات الخوف حتى ظنناها ستحدث دمارا شاملا حين تنفجر، فإذا بها مجرد صفير من ثقب عربي عديد الوظائف.
وفوراً، وكالفئران التي تخرج من جحورها عند أول هزة، ركض "خبراء تجميل الهزيمة" في استوديوهاتنا المكيفة. هؤلاء الذين يرتدون ربطات العنق ككمامات تمنعهم من استنشاق رائحة الحقيقة، أطلقوا رصاصتهم الوحيدة: "شعبوية!". يا إلهي! "الشعبوية" هي الكلمة-الواقي التي يرتديها العجز الفكري والسياسي لممارسة العهر الدبلوماسي بأمان. هي حبة الفاليوم التي يبلعها الزعماء كي لا يضطروا للنظر في المرآة، ولكي يخبروا شعوبهم أن ألسنتهم لم تُقطع، بل هي في إجازة مرضية طويلة.
بيترو لم يأتِ ليحرر فلسطين قبل نشرة أخبار التاسعة. لم يكن يحمل عصا موسى. كل ما فعله هو أنه أخذ الهمس الذي نتبادله على أرصفة العجز وفي مقابر أحلامنا، وحوّله إلى صرخة مدوية في وجه العالم: "فلسطين تُغتصب على الهواء مباشرة، القاتل تعرفونه، والشهود أنتم!". هذه جملة، يفهمها الجميع، من بائع الفلافل حتى أستاذ الجامعة، أصبحت كابوساً يطارد قصورهم المذهبة، لأنها عرّت الحقيقة المرة: أن السلاسل التي تقيدنا ليست من فولاذ العدو، بل من حرير خنوعنا.
من السهل دائماً أن تتهم من يصرخ "حريق!" بأنه يفسد هدوء المكان. لكن عندما يكون جسدك يحترق، فالصراخ ليس خياراً، بل هو آخر دليل على أنك ما زلت حياً. بيترو لم يزايد، بل وقف على منصة العالم، خلع قفازاته، وأشار بإصبعه: "هذا دم، وهذه جريمة". وهذا وحده فعلٌ يخصي ألف بيان "قلق" و"شجب" يكتبه العرب بحبر ممزوج بماء وجوههم.
المأساة الكبرى، الكوميديا السوداء التي تليق بنا، هي أن رجلاً من قارة الثورات الميتة والرقص الحزين، حمل قضيتنا على ظهره كصليب، ومشى. بينما نحن، أحفاد الفاتحين والشعراء، جلسنا في صالة الانتظار، نراقب المشهد على الشاشة، ونتساءل متى سيبدأ عرض الإعلانات. لم يكن خطابه مرآة، بل كان مسماراً صدئاً خُرق به جدار الصمت، فتدفق منه كل القيح الذي كنا نخفيه.
ربما لن يغير هذا البصاق الكولومبي مسار التاريخ، ولن يوقف رصاصة واحدة. لكنه فعل ما هو أبشع: لقد أفسد علينا متعة الموت بصمت. أثبت أن كلمة حق واحدة، حتى لو قيلت بلكنة أجنبية، يمكن أن تجعل تاريخاً كاملاً من الخطب الرسمية يبدو كنكتة سمجة في جنازة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية للجزيرة: استهدفنا مو


.. أمريكا تصعد ضد إيران.. هل تنجح الضربات أم المفاوضات؟




.. خبير عسكري واستراتيجي: طهران بدأت تفقد قدرتها على إدارة وكلا


.. واشنطن تشدد الحصار على إيران في مضيق هرمز وتواصل استهداف موا




.. سياق الحدث | هل تجاوز التصعيد الأمريكي الإيراني سقف مذكرة ال