الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


التأمر الخارجي والداخلي في مسار الدولة الأسلامية والأمة العربية

رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)

2025 / 9 / 28
قضايا ثقافية


منذ بزوغ فجر الإسلام وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى على يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ثم تواصلها في عهد الخلفاء الراشدين، برزت هذه الدولة كقوة متماسكة تتحدى موازين القوى العالمية آنذاك، حيث سقطت الإمبراطوريتان الفارسية والبيزنطية أمام الزحف الإسلامي، ووجد المسلمون أنفسهم في صدارة المشهد العالمي، يحملون رسالة عالمية تتجاوز حدود العرق والقبيلة والجغرافيا. غير أن هذا الصعود السريع أثار في نفوس القوى المحيطة مشاعر العداء والخوف، فبدأ التآمر الخارجي مبكراً من خلال محاولات الكيد السياسي وإشعال الفتن الداخلية، إلا أن الأدهى من ذلك أن الداخل نفسه تحول إلى ساحة خصبة لهذه المؤامرات، فغلبت العصبية القبلية والطائفية على روح الوحدة الإسلامية، فكان الانقسام الداخلي هو المفتاح الذي ولجت منه القوى الخارجية.

ولو أخذنا التاريخ القريب من عصر التأسيس لوجدنا أن اغتيال الخلفاء الراشدين يمثل دليلاً صارخاً على هشاشة الداخل. فقد اغتيل الخليفة عمر بن الخطاب على يد أبي لؤلؤة المجوسي، في وقت كان الإسلام فيه في أوج قوته، ما يعكس كيف أن القوى الأجنبية استثمرت ثغرة فردية داخل المجتمع لضرب رأس الدولة. ثم جاء اغتيال عثمان بن عفان نتيجة تراكم خلافات داخلية غذتها ألسنة الفتنة، حتى وجدت مجموعة من الساخطين الجرأة على قتل خليفة للمسلمين وهو يقرأ القرآن. ولم يمض وقت طويل حتى اغتيل علي بن أبي طالب، رابع الخلفاء، نتيجة لانقسام داخلي دموي بين المسلمين أنفسهم في معركة صفين والنهروان، ما كشف أن الأمة لم تستطع الحفاظ على وحدتها بالقدر الكافي. هذه الأحداث لم تكن مجرد جرائم فردية بل كانت محطات فاصلة مهّدت لاحقاً للفتنة الكبرى، التي استمرت قروناً في صورة صراع مذهبي وسياسي أضعف جسد الأمة وجعلها لقمة سائغة للغزوات من التتار إلى الاستعمار الأوروبي.

أما في التاريخ الوسيط فنجد أن سقوط بغداد سنة 1258م على يد المغول لم يكن ليتحقق لولا انقسام المسلمين وتشرذمهم بين سلطنات ودويلات متناحرة، فلم يقفوا جبهة واحدة أمام الخطر الداهم، بل كان بعضهم يعقد تحالفات سرية مع العدو ضد أبناء جلدته. وكذلك كان الحال في الأندلس، حيث تحولت دولة المسلمين هناك إلى ممالك صغيرة متصارعة تُعرف بـ"ملوك الطوائف"، ما فتح الطريق أمام الإسبان لاستعادة الأندلس مدينة بعد أخرى حتى سقطت غرناطة سنة 1492م، في مشهد يذكّرنا بما يحدث حين يطغى التآمر الداخلي على روح الوحدة.

في العصر الحديث، وبعد انهيار الدولة العثمانية، دخل العالم العربي والإسلامي مرحلة جديدة من التفكك، حيث رسمت القوى الاستعمارية خرائطه وحدوده بما يخدم مصالحها، لكن الأدهى أن كثيراً من هذا التشظي لم يكن بالإكراه فقط بل بقبول وتواطؤ من نخب داخلية رأت في مصالحها الخاصة مبرراً لتفكيك الروابط الجامعة. ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك ما جرى بعد ما سُمّي بالربيع العربي، حيث انطلقت شعارات الحرية والإصلاح لكنها تحولت في بعض الدول إلى حروب أهلية دامية غذّتها التدخلات الخارجية، فصار المواطن يواجه أخاه قبل أن يواجه عدوه. في سوريا وليبيا واليمن مثلاً، كان التدخل الخارجي عاملاً خطيراً، لكنه لم يكن ليجد أرضاً خصبة لولا الانقسام الداخلي وضعف التوافق الوطني.

إن قراءة هذا التاريخ الطويل تكشف أن التآمر الخارجي ثابت لا يتغير، فهو جزء من صراع المصالح بين الأمم، لكن المتغير الأخطر هو القابلية الداخلية للاختراق، فحين تكون الأمة موحدة وواعية فإن التحديات الخارجية تصبح مجرد امتحان، أما حين تتفتت داخلياً فإن هذه التحديات تتحول إلى ضربات قاصمة. وإذا أردنا رؤية مستقبلية لحال الأمة العربية والإسلامية فعلينا أن نعي أن الخروج من دائرة المؤامرة يتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي والسياسي على أساس العدل والمساواة والهوية الجامعة، بحيث تُدار الخلافات بالتوافق والمؤسسات لا بالاقتتال والاحتراب. فالتاريخ يقول بوضوح: الأمة التي أسقطت فارس وروما قادرة على مواجهة تحديات العصر إذا وحدت صفوفها، أما إذا استمرت في صراعاتها الداخلية فلن تحتاج القوى الخارجية لبذل جهد كبير لإضعافها، إذ يكفيها أن تتركها تنهار من الداخل كما انهارت مرات عديدة من قبل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الصحة في الكونغو الديمقراطية: ارتفاع حصيلة الحالات إلى 2344


.. آندي بيرنهام يتسلم مهام منصبه رئيسا لوزراء بريطانيا خلفا لكي




.. قصف إسرائيلي على منزل بمدينة غزة يوقع شهداء


.. وكالة سانا: إصابة طفلين إثر إطلاق جنود إسرائيليين النار باتج




.. الحرس الثوري: اشتعال ناقلتين عقب انفجار جنوب مضيق هرمز