الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ادعاء الحكمة بلا تجربة… كالجعجعة بلا طحن
بشار مرشد
كاتب وباحث
(Bashar Murshid)
2025 / 9 / 29
القضية الفلسطينية
على شواطئ البحر الأبيض المتوسط غربًا، وعلى حدود إفريقيا جنوبًا، وعلى امتداد السهل الساحلي وسلاسل الجبال حتى نهر الأردن شرقًا والليطاني شمالًا، قامت منذ مئات السنين مطاحن القمح. كان أهل القرى والمدن يأتون بحبوبهم، يطحنونها بالعرق والصبر، ثم يعودون برغيف يسند حياتهم.
لكن، وفي غفلة من الزمن الغابر، جاء الغرباء المستجلبون، انتزعوا المطاحن عنوة، وسيطروا عليها واحدة تلو الأخرى، ثم أغلقوها شيئًا فشيئًا، لأن خبزهم كان يصلهم جاهزًا من بلادهم. ولم يُترك لأصحاب الأرض سوى مطحنة واحدة، لكنها بقيت محاصرة، وكل كبيرة وصغيرة بيد هؤلاء الغرباء. وضعوا العراقيل أمام استمرارها، وحاصروا أهلها بالحرمان والعداء، حتى وصل بهم الأمر إلى منع القمح نفسه من الوصول إليها.
ومع ذلك، تمسّك أهل الأرض بآخر خيطٍ للحياة. بحثوا عن طرق ممكنة ومستحيلة أحيانًا لإيصال القمح إلى مطحنتهم، محفوفة بالموت أحيانًا، مقاومين الجوع كما يقاومون السلاح ورائحة الموت التي تهب تارةً تلو الأخرى.
غير أن المطحنة لم تكن وحدها في المشهد. فقد تكاثرت حولها أصوات غريبة، ليست من أهل القرية، ولا حملت قمحًا يومًا من الأيام. نصب هؤلاء بيوتهم الجاهزة على التلال القريبة، وأشعلوا النيران، وملأوا الجو ثرثرةً ثورجية وحكمة زائفة، ونصائح بلا تجارب توهم السامع بأنهم أشهر طهاة الكذب وخبازي المعرفة الكاذبة. ولكن الحقيقة أنهم لم يمتلكوا أي مطحنة، ولم يكن لديهم أدنى خبرة عن الطحن أو العجن أو الخبز، فرحاهم لم تدُر قط، ولم يخرج من تحتها حبة دقيق. فقد اعتادوا على أكل الخبز الجاهز من سارقي المطاحن والحبوب والأحلام. كما اعتادوا على تزوير الحقائق وتجميل المآسي واتهام الآخرين بالخذلان وتبرئة أنفسهم واختلاق الذرائع.
الأغرب أنهم لم يقتربوا من المطحنة يومًا، بل انشغلوا بالحفر خلفها، يبحثون عن آثار قديمة مدفونة في تراب القرية. كل حجر كانوا يستخرجونه باعوه في الخفاء لصاحب المطحنة الكبير، الذي ورثها بالسلاح والسطوة لا بالحق. وهكذا صاروا شركاءه: يمدّونه بتراث الأرض، ويملأون الدنيا صخبًا عن البطولة والصمود، بينما أهل المطحنة الحقيقيون يطحنون قمحهم بالدموع، ويقتسمون فتات الخبز وسط الجوع والعذاب.
لكن ما لا يعرفه المجعجعون – أو يعرفونه ولا يجرؤون على افشاءه – أن أهل القرية، يشعرون بالألم والمرارة، حين يسمعون إشادتهم بالصمود والبطولة وحديث هؤلاء عن أعظم الجهاد والطريق الأقوم للفوز بالجنة، عدا عن طرح النصائح والحكم الزائفة بلا تجارب،وكما اعتادوا على تجميل النكبات، كما ويؤسفهم أن تُكتب أسماءهم في سطور البطولة والتاريخ، بينما لم يحظى أصحاب الجعجعة بشرف المشاركة فعلًا في الطحن، ولم يذوقوا مرارة الجوع ولا معاناة الحصار.
ومن المحزن أيضًا أن أصحاب الثرثرة الزائفة لن يفوزوا بالجنة مع أصحاب الأرض، فجنتهم مختلفة: جنة المال وأرغفة الفينو. وحتى في هذا ينظرون إلى أهل الأرض بعين الحسد تارة وبعين التشفي تارة أخرى. فهم لا يقدّمون قمحًا، ولا يشاركون في الطحن، وإنما يكتفون بالشجب والتعاطف المصطنع، والتشجيع على الاستمرار بالعمل، بينما تستمر فرقعة الحفر والنبش وبيع الذات والتاريخ.
وعندما يهبط الليل ويسكن الضجيج، يعيد هؤلاء خبازي المعرفة الكاذبة انتشارهم من أطراف الأرض أو داخل مدنهم البعيدة، عائدين إلى المطاعم والملاهي، حيث يلوكون خبزهم ويشربون شرابهم، يضحكون بأصوات أعلى من ثرثرتهم. هناك تظهر خبرتهم الحقيقية: تذوق الكافيار، اختيار أزهى الثياب، إبداء الإعجاب بالفن والتجميل، وكل ذلك خلف الكواليس بعيدًا عن الصخب المصطنع، فيما يبقى أصحاب القمح والحبوب أمام مطحنتهم، يبيتون على الرماد، بانتظار يوم جديد من الطحين الممزوج بالمرارة.
وفي النهاية، يتمنى أصحاب الأرض إما أن يسكن هؤلاء المجعجعون، أو أن يساهموا على الأقل بخُبزة من القمح أو قطرة من الماء. فإما أن تفعلوا شيئًا، أو أن تصمتوا؛ فالثرثرة لا تدير رحى، و اظهار التضامن الشخصي المعنوي لا يطعم جائعًا أو يكسو عريانًا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قرار كندي مفاجئ.. سوريا خارج قوائم الإرهاب
.. الدعم السريع يشن هجومًا.. 79 ضحية وإدانة رسمية
.. «ترند الخليج» قائم بين هشام الملا ومحمد التوره
.. المتسابق هشام الملا يتوج بلقب THE ROLLING KING «ترند الخليج»
.. واشنطن وكراكاس.. ما مصير ثروة فنزويلا من النفط؟ | #عالم_الطا