الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أعمار غزة بين العدوان والأبتزاز السياسي

رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)

2025 / 9 / 29
مواضيع وابحاث سياسية


يدور في الأفق السياسي والإعلامي الأمريكي–الإسرائيلي حديث متصاعد عن نية وقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بعد أن حوّلتها آلة الحرب إلى ركام. لم تترك الصواريخ والقنابل الإسرائيلية حجراً على حجر، فالمباني سويت بالأرض، والمستشفيات والمدارس لم تسلم، والأطفال قُتلوا بلا ذنب، والكبار جُوّعوا وحُرموا من أبسط مقومات الحياة. النساء انتهكت حرماتهن، والشباب غُيّبوا بين الاعتقال والقتل، وحتى الحيوان لم يسلم من نار الحرب والحصار. إنها حرب إبادة مكتملة الأركان، غايتها إخضاع الإنسان وتفريغ الأرض من أهلها.

ومع كل هذه المآسي، يخرج رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو مدعوماً من حليفه الأمريكي دونالد ترامب، ليضع شرطاً فجّاً ومهيناً: إعادة إعمار غزة ينبغي أن يتحملها العرب! وكأن العرب ملزمون بدفع فاتورة الجرائم التي ارتكبها الاحتلال، ومكافأته على عدوانه الوحشي. هذا الطرح لا يمثل سوى شكل جديد من أشكال الابتزاز السياسي والاقتصادي، يضاف إلى سلسلة طويلة من محاولات تحميل الأمة العربية تبعات المشروع الصهيوني.

من وجهة نظر عربية، فإن الموافقة على هذا الشرط تعني القبول الضمني بالرواية الإسرائيلية والأمريكية التي تسعى لتصوير ما جرى وكأنه كارثة طبيعية أو نتيجة حتمية لصراع لا بد من دفع ثمنه. بينما الحقيقة أن الاحتلال هو الجاني، وهو وحده الذي يجب أن يتحمل تبعات ما اقترفت يداه. إن تحميل العرب كلفة الإعمار يفرغ العدالة من معناها، ويحوّل الضحية إلى مموّل للجلاد.

ثم إن الإعمار ليس مجرد إعادة حجارة فوق بعضها، بل هو قضية سياسية وأخلاقية مرتبطة بالمسؤولية الدولية. ما دُمنا نتحدث عن حرب نفذتها دولة احتلال مدعومة بغطاء أمريكي وغربي واسع، فإن المنطقي أن يتحمل الاحتلال ومعه حلفاؤه تكلفة إعادة إعمار غزة، لا أن تُلقى على عاتق الأمة العربية وحدها. فإذا كان العالم يدّعي الحرص على "القيم الإنسانية"، فليترجم ذلك بدعم صادق وشامل لإعمار غزة، تحت إشراف يضمن عدم ربط العملية بأجندات سياسية تخدم إسرائيل.

إن العرب، في حال مشاركتهم، يجب أن يكونوا جزءاً من جهد عالمي شامل، لا أن يُختزل دورهم في دفع الفاتورة وتبييض صفحة الاحتلال. بل إن الموقف العربي الأجدر أن يرفض صراحة هذه الصيغة الملتوية، ويؤكد أن القضية الفلسطينية ليست قضية إنسانية مجردة، بل قضية سياسية استعمارية جوهرها الاحتلال والتهجير والقتل.

في ضوء ذلك، لا يجوز للعرب أن ينخرطوا في مخطط إعادة الإعمار بشروط أمريكية–إسرائيلية، لأن ذلك سيكرّس معادلة الظلم ويمنح الاحتلال جائزة على جرائمه. المطلوب هو مقاربة عربية واضحة تنطلق من أن إسرائيل هي المسؤولة المباشرة عن الخراب، وأن إعادة الإعمار يجب أن تُربط بمحاسبة الاحتلال ورفع الحصار وضمان حقوق الفلسطينيين في العيش بكرامة على أرضهم.

الخلاصة أن القضية ليست إعمار حجارة غزة فقط، بل إعمار الكرامة الفلسطينية التي يحاول الاحتلال محوها. ومن هنا، فإن الموقف العربي يجب أن يكون ثابتاً: لا إعمار على حساب العرب وحدهم، ولا مكافأة للجلاد على دماء الضحايا. بل يجب أن يتحمل الاحتلال ومعه حلفاؤه المسؤولية كاملة، وإن شارك العرب في الجهد، فليكن ذلك جزءاً من موقف عالمي جامع، لا ذراعاً لأجندة أمريكية–إسرائيلية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سرقة القرن.. العراق يستعيد 365 مليار دينار في قضية نور زهير


.. مشهد تستضيف محادثات إيرانية قطرية.. وطهران تكشف مضمونها




.. عضو في البرلمان الأوروبي: أريد أن أقول لابني إننا لم ندر ظهو


.. ترمب يهدد إيران برد عسكري غير مسبوق إذا تعرض لمحاولة اغتيال




.. إيران: انفجارات في شرق طهران ناتجة عن تفجير ذخائر