الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الكورد بين حق تقرير المصير ومعضلة الشوفينية الإقليمية
حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
2025 / 9 / 29
مواضيع وابحاث سياسية
كيف يمكن لدولٍ متخلفة، منهارة، طائفية، أن تستعمر شعباً عريقاً مثل الشعب الكوردي الذي يمتلك مقومات دولة متقدمة، علمانية، ديمقراطية، منفتحة على قيم العصر؟
أليس من حق الكورد أن ينالوا استقلالهم بعد قرون من النضال والتضحيات، وبعد ما تعرضوا له من إبادة وحرمان وظلم ممنهج على يد الأنظمة الشمولية التي اغتصبت أرضهم وقمعت هويتهم؟
لقد آن الأوان للعرب، قبل غيرهم، أن يدركوا أنّ السياسات الشوفينية والعنصرية لم ولن تجلب لهم مجداً، بل أفرزت مزيداً من الأزمات والعداء مع الكورد. إنّ الشعب الكوردي لم يطالب يوماً باقتطاع أرضٍ من "الوطن العربي"، بل يطالب بحقه التاريخي المشروع في وطنه الذي وُجد منذ فجر التاريخ، على مساحة جغرافية شاسعة تعادل مساحات عدة دول عربية، وتُعرف بميزوبوتاميا قديماً. هذا الوطن يضم أكثر من ستين مليون كوردي موزعين بين العراق وسوريا وتركيا وإيران، إلى جانب الملايين في الشتات.
إنّ الكورد شعب مسالم، منفتح، يتفوق بثقافته المدنية على كثير من شعوب المنطقة، مقارنة بالأتراك والفرس والأنظمة العربية الشوفينية. وقد أثبتت التجربة أنّ عاصمة إقليم كوردستان، أربيل، اليوم أكثر تقدماً وتطوراً من بغداد من حيث العمران والبنية التحتية، وهو دليل على أنّ شعباً يمتلك هذا الوعي وهذه القدرة لا يجوز أن يُبقى رهينة لدول متخلفة تفتقد إلى مقومات الدولة الحديثة.
كوردستان لم تكن يوماً إقصائية، بل شكلت نموذجاً للتعايش السلمي، حيث يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات: كورد، تركمان، آشوريون، كلدان، أرمن، يهود، وعرب. جميعهم يعيشون في فسيفساء اجتماعية متآخية، تُحترم فيها التعددية الدينية والقومية والثقافية.
ومن اللافت أنّ الكثير من المواطنين العرب، سواء من السنة أو الشيعة، يتمنون لو امتلكوا جنسية كوردستانية، لما تمثله من قيم الاستقرار والانفتاح والعدالة، وهذه ليست مبالغة بل حقيقة يلمسها من عاش التجربة أو قارَنها بواقع الدول المركزية المأزومة.
إنّ على العرب أن يتعاملوا مع "المسألة الكوردية" بعقلانية وحكمة سياسية، فبقاء الكورد تحت حكم أنظمة متخلفة سيضر بالجميع، بل سيعجّل بانهيار المنطقة. ولعلّ أبرز ما تخشاه طهران وأنقرة هو مشروع الاستقلال الكوردي، إذ تحتضن إيران ما يقارب عشرة ملايين كوردي، وتركيا نحو عشرين مليوناً، وسوريا أربعة ملايين، والعراق أكثر من سبعة ملايين، إضافة إلى ملايين الكورد في أوروبا وأمريكا والشرق الأوسط.
اليوم لم يعد الكورد وحدهم، بل باتت لهم حلفاء إقليميون ودوليون، كما أنّ تقاطع المصالح مع قوى كبرى كالولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا يعزز حضورهم السياسي. ورغم ذلك، ظلّ الكورد أوفياء لعلاقاتهم التاريخية مع العرب، فقد قاتلوا إلى جانبهم ضد الغزوات الخارجية، وقدموا قادة ورموزاً من أمثال صلاح الدين الأيوبي وملا مصطفى البارزاني، وصولاً إلى السيد مسعود البارزاني وغيرهم من قادة مثل شيخ سعيد بيران وقاص محمد و...... الخ .
لكن ما جناه الكورد في المقابل كان مؤامرات دولية، وتخاذلاً عربياً ودولياً عن نصرتهم، رغم إدراك الجميع أنهم شعب أصيل يمتلك مقومات الدولة: الأرض، التاريخ، الحضارة، واللغة.
إنّ استمرار إنكار الحقوق الكوردية سيقود إلى انفجارات سياسية وعسكرية لا تُحمد عقباها. فإذا ما تدخلت إيران وتركيا عسكرياً ضد تطلعات الكورد، فإنّ قوى دولية كبرى كأمريكا وإسرائيل قد تنخرط في المواجهة، فضلاً عن تضامن الكورد في الأجزاء الأخرى من كوردستان دعماً لإخوانهم.
وعليه، فإنّ التعامل مع كوردستان كعدو هو أخطر ما قد ترتكبه الأنظمة العربية، لأن الكورد يمكن أن يكونوا حليفاً استراتيجياً صادقاً، لا عبئاً أو تهديداً. المطلوب اليوم ليس المزيد من الإنكار، بل الاعتراف بالحقيقة التاريخية: أنّ للكورد حقاً أصيلاً في تقرير مصيرهم، وأنّ تجاهل هذا الحق لم يعد ممكناً في عالمٍ باتت فيه الشعوب أكثر وعياً وقدرة على فرض إرادتها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. دالارا سترادالي.. تجربة قيادة أخطر سيارة قانونية على الطريق
.. الرئيس السوري يصدر مرسوما بشأن حقوق الأكراد وخصوصياتهم.. ما
.. الاحتلال يجرف شارعا رئيسيا في كفر مالك برام الله ويفرض حصارا
.. وثائق حصرية للمتحري.. كيف تورط مقربون من الأسد في كشف مواقع
.. هكذا تعاملت إسرائيل مع إعلان بدء المرحلة الثانية من اتفاق غز