الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سورية الجديدة بين غياب القانون وفوضى السلاح
حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
2025 / 9 / 30
مواضيع وابحاث سياسية
إنّ أخطر ما تواجهه سورية اليوم ليس غياب القانون والعدالة فحسب، بل تفلّت الفصائل المسلحة التي تنتشر بأعداد كبيرة من دون أي مساءلة أو محاسبة. فهؤلاء القادة الذين تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء، خصوصاً في الساحل السوري والسويداء، ارتكبوا جرائم ذات خلفيات طائفية بغيضة، بل تجاوزوا ذلك بالاعتداء على أبناء الطائفة السنية المعتدلة نفسها. وما زالوا حتى اللحظة يستبيحون الأعراض والممتلكات والحريات بلا وازع أخلاقي أو إنساني.
وأمام هذا الواقع المرير، يتساءل المواطن السوري، ومعه كل صاحب ضمير حي:
أين هي العدالة الانتقالية؟
أين دولة القانون والعدالة الاجتماعية والمحاسبة يا سيادة "الرئيس المؤقت" أبو محمد الجولاني؟
لقد ضحّى السوريون بما يقارب مليون شهيد، ومئات الآلاف من المفقودين والمعاقين، لا ليُستبدل طاغية بآخر أشد قسوة وتطرّفاً، بل من أجل بناء وطن حرّ يليق بتضحياتهم. غير أنّ الطغاة، كما في كل زمان، لا يقبلون بحكم لامركزي ولا بدولة مؤسسات، بل يسعون إلى تكريس سلطتهم الفردية مهما كان الثمن.
إنّ المرحلة التي نعيشها اليوم أشد خطورة من حقبة الانقلابات العسكرية في أربعينيات وخمسينيات وستينيات القرن الماضي. فبرغم أنّ تلك الانقلابات أطاحت بحكومات ورؤساء، إلا أنها لم تجر البلاد إلى حروب طائفية أو صراعات مذهبية وعرقية. بل على العكس، شهدت تلك الحقبة حضوراً واضحاً للمكوّن الكوردي في رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومات، وهو ما يعكس روح التعددية التي نفتقدها اليوم.
أما في ظل "الحكومة المؤقتة" التي تقودها، فقد تحوّلت دولة القانون إلى دولة الطوائف والولاءات الضيقة. وبات كل طرف يدافع عن طائفته لا عن الوطن، وعن مصالح جماعته لا عن سيادة الدولة.
ومن جديد يسأل السوريون:
أين ذهبت الوعود التي أُطلقت مع بداية سقوط النظام؟
أين شعار الانتقال من الثورة إلى بناء الدولة؟
أين العقلية الجديدة التي يفترض أن تؤسس لسورية لكل السوريين؟
كان الأجدر بك، أيها الرئيس المؤقت، أن تقف على مسافة واحدة من جميع السوريين، بمذاهبهم وطوائفهم ومكوّناتهم، لتفرض سلطة الدولة على الجميع وتطبّق القانون بعدالة ومساواة. فالدول لا تُبنى تحت هيمنة "أمراء الحرب" من أمثال أبو عمشة وأبو شقرا وأبو قصرة وأبو عائشة وغيرهم، بل تُبنى حين يخضع الجميع لحكم القانون لا لقوة السلاح.
إنّ استقواءك بالقوى الخارجية، وفي مقدمتها تركيا، في كل شاردة وواردة تخص الشأن السوري، خطأ استراتيجي قاتل. فالقضية السورية شأن داخلي، وحلولها يجب أن تُصاغ من الداخل، بما ينسجم مع تطلعات السوريين لا عبر وصفات مستوردة من الخارج. فتركيا ليست حريصة على سورية ولا على استقرارها، بل تسعى بالدرجة الأولى إلى محاربة قوات سورية الديمقراطية "قسد"، خشية أن تتحوّل إلى كيان مستقل في المستقبل القريب، وهو ما تعتبره تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
وبهذه العقلية الشوفينية والإقصائية المتطرّفة، لن يختلف مصيرك عن مصير بشار الأسد، إذ لا تختلف عنه لا سياسياً ولا عسكرياً ولا أخلاقياً ولا سيادياً. فكلاكما تمارسون العقلية القمعية ذاتها، وتعتمدون على الطائفية والإقصاء، في وقتٍ دفع فيه السوريون ثمناً باهظاً خلال أربعة عشر عاماً من القتل والتشريد والتدمير والجوع والاعتقال. ولم تكن تلك التضحيات من أجل استبدال طاغية بآخر، بل من أجل الحرية والكرامة.
إنّ ما تمارسونه اليوم منذ استيلائكم على السلطة بطرق غير شرعية يمثّل كارثة وطنية حقيقية. بدءاً من "الحوار الوطني" الذي غُيّب عنه الصوت الحر، مروراً بالإعلان الدستوري وقوانين الانتخابات الشكلية، وصولاً إلى الاستثمارات الوهمية والإعلام المأجور الذي يحرّض على القتل ويشوّه صورة سورية التي كانت يوماً مهد الحضارات.
لقد آن الأوان لتدركوا أنّ الاستمرار في هذا النهج لن يقود إلا إلى مزيد من الخراب، وأن الشعب السوري الذي صمد طويلاً لن يقبل باستبداد جديد يرتدي عباءة "الثورة".
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أزمات العالم تتصدر أعمال منتدى دافوس بسويسرا | الأخبار
.. الحسكة على مفترق طرق.. نهاية دور قسد أم بداية تحول سياسي في
.. بيان قسد: لن نبادر إلى أي عمل عسكري ما لم تتعرض قواتنا لهجما
.. ممثل الإدارة الذاتية الكردية في دمشق للجزيرة: مستعدون لعملية
.. واشنطن تعلن دعمها للشرع في مواجهة قسد