الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خطة ترامب لغزة... سلام أم إذلال؟

هيثم أحمد محمد

2025 / 10 / 1
القضية الفلسطينية


منطق الخطة الأميركيّة واضحٌ منذ بنودها الأولى: تحويل غزة إلى مساحة مُفكَّكة سياسياً وعسكرياً، تُدار مؤقتاً بيدٍ خارجية تُعيد تشكيل الواقع الفلسطيني من القاع إلى القمة، ليست مسألة "إعادة إعمار" فحسب، بل إعادة هندسةٍ للسيادة والذاكرة والمقاومة، البند الذي يفرض نزع السلاح وفرض إدارة «انتقالية» تُشكّلها تِقْنوقراط مُشرَّفة دولياً، ويترأس مجلسها رجل لا يملك أي قرار فلسطيني — كل هذا ليس سلاماً بقدر ما هو مشروع لإذلالٍ سياسي واقتصادي.
المقايضة المُعلنة واضحة: سلاحٌ مقابل خبز، كرامةٌ مقابل إعادة إعمار، وحقوقٌ مقابل مشاريع استثمارية ومناطق اقتصادية خاصة، لكن السؤال البسيط الذي لا يجيب عنه مروّجو الخطة: هل يُعالج الإذلال بالوظائف والمصانع؟ وهل الدفع بعجلة "التنمية" يمكن أن يعوّض شعبًا فقد أرضه وحقوقه وهويته؟ الإجابة التاريخية والسياسية هي لا — لا معنى لسلام تُبنى شروطه على إذلال طرف مهزوم وفرض وصاية دولية عليه.
وبعيداً عن بنود الخطة، ثمة مسؤولية مُعلَنة على طبقةٍ عربيةٍ دخلت مشهداً استعراضيّاً من نوعٍ آخر: قبولٌ سريع أو دعمٌ حذر لخطةٍ صاغتها واشنطن مع تلقي شكلٍ من الضمانات لإطفاء النار الإقليميّة، هذا التماهي ليس موقفاً شجاعاً ينقذ شعباً، بل هو إعلان عملي عن أن بعض العواصم فضّلت نهايةٍ سريعة للنزاع — حتى لو كانت نهايةً مُذلّة — على الاستمرار في دعم خيارٍ فلسطينيّ يُصعِّد المواجهة أو يطالب بالحقوق التاريخية، إن التخلي عن مطلب السيادة والكرامة الوطنيين مقابل استقرارٍ هشّ ومشروط هو خيانة بالمقياس الأخلاقي والسياسي.
حتى أصابع النقد يجب أن تُوجّه أيضاً إلى من وضعوا أسماءهم تحت وثيقة تشرعن لسحب القرار من الفلسطينيين: فكرة «مجلس سلام» عالمي يرأسه ترامب وتشارك فيه شخصيات بوزن سياسي كـ(توني) بلير، ليست بريئة، بلير نفسه واجه انتقادات واسعة حول رؤيته لملفات الشرق الأوسط، وانتقاده يدلُّ على قصور الرؤية هذه؛ فمن يزرع إطاراً أمنياً بحتاً لتجريد شعبٍ من أسلحته، ويضع مستقبلَه تحت إشراف مؤسسات دولية مُشكَّلة من معنيين خارجيين، لا يسعى إلى سلامٍ عادل بقدر ما يسعى إلى ترتيبٍ يضمن مصالح طرفٍ واحد ويُقفل الملف بلغةٍ إدارية.
ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل عامل الضغط الزمني والسياسي: الإعلان عن بنود تبادل الرهائن وإطلاق سراح الأسرى والقيود على إعادة بناء البُنى العسكرية يُقدَّم كطُعمٍ إنساني، لكنّه عملياً يُستخدم أوراق ضغط على المقاومة وعلى جموع أهل غزة لقبول شروطٍ تُنهك كرامتهم، التهديدات الرسمية بمهلة زمنية ذهبية لقبول الخطة تُظهر أن الخطة ليست مجرد اقتراح تفاوضي، بل إنذارٌ سياسي — من يقاومه قد يواجه "نهاية حزينة" كما صرّح صانعو الخطة، وهي لغة تستغل حالة الضعف والضغط الإنساني.
أما عن الدور العربي الذي ارتضى أو رحّب أو تموّج للخطة — فهو دورٌ مخيب ومُذلّ: قبولٌ مبطن أم صمتٌ مدفوع بالخوف من تبعاتٍ إقليمية أو من حسابات مصلحيّة اقتصادية وسياسية؟ المهمّ أن الشعب الفلسطيني لا يحتاج إلى «بكاء إقليميٍ مُعلن» أو بياناتٍ دبلوماسيةٍ شفّافة أمام الكاميرات؛ يحتاج إلى وقفةٍ تحمي حقّه في تقرير المصير وتناصر كرامته، لا إلى أن تُستبدل هذه الكرامة بتقاسم أدوار إعادة الإعمار بشروط تُقصي ممثلي الشعب الأصليين.
الخلاصة
خطة ترامب ليست "خطة سلام" بالمعنى الأخلاقي والسياسي، بل هي محاولة ضبطٍ لإعادة تركيب غزة على قياسٍ إقليميّ ودوليّ يخدم مصالحاً معروفة، مع ثمن بشري وسيادي على الفلسطينيين، والقبول الجزئي أو الكامل من بعض العواصم العربية، مهما تذرعت بالمصلحة أو بالضغط على حركة مقاومة مُستنزفة، لا يُشرّع لنزع الحقوق أو تسويق وصايةٍ مُقنّعة، على العرب أولاً، وعلى المجتمع الدولي ثانياً، أن يختاروا بين دعم كرامة شعبٍ مضطهد وبين المشاركة في مشروع إعادة تركيب سياسي واقتصادي يخنق حقه في الحرية والاستقلال.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سياسات الهجرة الجديدة تحت المجهر القانوني.. هل تحمي أوروبا ح


.. والدا أحمد الأحمد: ابننا شجاع وأنقذ الكثيرين من الموت




.. إجلاء جندي أوكراني بكبسولة مُدرّعة يتم التحكم فيها عن بعد قط


.. فرنسا.. ما أسباب ارتفاع جرائم العنف الأسري ضد النساء؟




.. الاتحاد الأوروبي يدرس تحويل مليارات الأصول الروسية لضمان قرض