الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من يهدّد وحدة سوريا؟

حجي قادو
كاتب وباحث

(Haji Qado)

2025 / 10 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


من المستحيل أن يتحول العقرب بين ليلة وضحاها إلى حمامة سلام، وكذلك لا يمكن لمن خرج من رحم مدرسة الإرهاب، ومارس العنف والدمار لأكثر من عقدين في العراق وسوريا، أن يتهم غيره بالإرهاب أو يصفه بالانفصالي أو بالخائن. فالتاريخ شاهد على ما جرى من توافقات دولية أفضت إلى إطاحة نظام الأسد، ولا يمكن إنكار أن الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين في الساحل السوري كانت تُبرَّر بمثل هذه الذرائع.

ضمن هذا السياق، حاول أحمد الشرع من خلال اتفاقية العاشر من آذار مع قوات سوريا الديمقراطية أن يفك حبل المشنقة عن رقبته، وينقذ نفسه، ويطيل عمره السياسي. إلا أنّ تلك الاتفاقية لم تكن سوى طوق نجاة شخصي له، تحوّل سريعاً إلى فخّ محكم نسج بخيوط استخباراتية تركية. فقد سارعت أنقرة إلى الترحيب بالبند المتعلق باندماج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، متجاهلة بقية البنود، وعلى رأسها النصّ الصريح على أنّ الكرد شعب أصيل في سوريا. وبعد ثلاثة أيام فقط، صدر إعلان دستوري جديد لم يأتِ على ذكر حقوق المكوّنات والطوائف والأعراق السورية، الأمر الذي نسف الاتفاق عملياً منذ لحظة صدوره.

لا يمكن أن يُكتب لأي اتفاق سلام أو تسوية سياسية النجاح إذا كان طرفه من تلطخت يداه بدماء الأبرياء، أو من يذبح الناس على الهوية والمذهب. وما جرى في السويداء خير دليل؛ إذ قُتل كل من جهر بانتمائه إلى الطائفة الدرزية، في حين كان الشرع عاجزاً عن ضبط الفصائل المنفلتة والعشائر الخارجة عن السيطرة، منشغلاً بفرض نفوذه على قصر الشعب، وجمع الأموال، والاكتفاء بالتقاط الصور التذكارية مع الوفود الخارجية.

أما الشعارات البراقة التي يرفعها المطبّلون للحكومة المؤقتة المتطرفة، فهي لا تخفي سوى خطاب كراهية وإقصاء، يعمّق الانقسام ولا يسهم في التئام جراح الوطن. وإذا سلّمنا جدلاً بأن ما نشهده اليوم هو دولة سورية، فإنها مصيبة كبرى ومهزلة سياسية. فما يحكم دمشق ليس دولة بالمعنى المؤسساتي، بل عصابة ذات طابع داعشي وصلت إلى السلطة بفضل توافقات دولية أنهت مرحلة الأسد، ومهّدت لفصل جديد من التطرف والفساد. أولئك الذين ملأوا شوارع إدلب إرهاباً مارسوا أبشع أشكال "الشريعة" المزوّرة: من نهب وسلب واغتصاب، إلى ما سُمّي بـ "جهاد النكاح"، مروراً بفرض الضرائب وإصدار الفتاوى بما يخدم أهواءهم الشخصية.

حتى اليوم، ما تزال سوريا تُدار بلون واحد، فيما يُقصى باقي ألوانها، وتُهمّش فسيفساؤها المجتمعية الغنية. وباستمرار هذا النهج، تبقى البلاد رهينة الاستبداد والتطرف والإقصاء.

إن من يهدّد وحدة سوريا اليوم ليس الكرد، ولا الدروز، ولا العلويين، بل الممارسات التي ينتهجها النظام الحالي المؤقت، القائم على العنف والإقصاء والتطرف الديني. فالعنف لا يبني دولة، والإقصاء لا يصنع وحدة، والتطرف لا يحمي أوطاناً.

والحقيقة أنّ من اعتلوا السلطة في دمشق هم من يسعون عملياً إلى تقسيم سوريا، بما يحملونه من عنجهية دينية وعنصرية وإخوانية. أما الكرد، فقد كانوا منذ البداية في طليعة المعارضين لنظام البعث، ومن أوائل من تصدوا للدكتاتورية منذ انتفاضة عام 2004، ورغم ذلك ظلوا مهمشين ومحرومين من أبسط حقوقهم، وعلى رأسها حق الجنسية.

الكرد ليسوا "ضيوفاً" كما يحلو للبعض أن يروّج. فالضيف، كما هو معروف، لا يمكث في بيت مضيفه سوى ثلاثة أيام، بينما الكرد متجذرون في هذه الأرض منذ قرون طويلة قبل مجيء العرب إليها. إنهم سكانها الأصليون، لهم تاريخهم العريق، وجذورهم الراسخة، وثقافتهم الحية، ولغتهم التي حافظوا عليها رغم محاولات الطمس والإلغاء. أما العرب فقد وفدوا إليها في بداياتهم كقبائل رحّل، ثم استوطنوا تدريجياً مناطق سوريا. بل إن اسم "سوريا" نفسه ليس عربياً، وإنما يعود في جذوره إلى "سورانية".

إن التعايش الحقيقي لا يقوم على الإنكار والتهميش، بل على الاعتراف بالتنوع واعتباره مصدر غنى وركيزة أساسية لوحدة سوريا المستقبل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الهجرة: حين يتحول الحلم الأوروبي إلى كابوس! • فرانس 24


.. لماذا صعد ترامب ضد فرنسا؟ وماذا يريد من -مجلس السلام-؟




.. التوترات تعود إلى شمال شرق سوريا والقوات الكردية تنسحب من مخ


.. اتفاق جديد بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية -قسد-.. ما التفا




.. أوكرانيا مقابل غرينلاند.. هل دخلت السياسة الأميركية مرحلة ال