الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خطة ترامب وإفراغ القضية الفلسطينية من معناها

بهجت العبيدي البيبة

2025 / 10 / 1
مواضيع وابحاث سياسية


القضايا الكبرى ليست نصوصا سياسية جامدة، ولا خطوطا مرسومة على خرائط تتداولها الطاولات. القضايا الكبرى روح تتنفس في قلوب الشعوب، وذاكرة تعيش في الأجيال، ومعنى يتجاوز اللحظة إلى الأبدية. هكذا كانت فلسطين، وهكذا ستبقى: جرحاً يضيء، وقضية تنبض بالحق مهما تواطأت القوى على طمسها أو تحويلها إلى مجرد أزمة عابرة.
بعد السابع من أكتوبر بدا وكأن العالم كله أعاد فتح ملف فلسطين. لقد كان ذلك اليوم زلزالا إنسانيا وسياسيا هزّ الضمير العالمي، لكنه في الوقت نفسه منح خصوم القضية فرصة لتوظيف الدم والدمار في صياغة رواية جديدة: رواية تجعل الفلسطيني متهما، وتجعل القضية مجرد عبء أمني، ومن هنا جرى تسويق ما سُمّي بخطة ترامب وكأنها الخاتمة الطبيعية، بل النهائية، للقضية.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل مسؤولية حركة حماس عن إدخال فلسطين في هذا المنعطف. فقرار السابع من أكتوبر ــ مهما اختلفت الدوافع أو التأويلات ــ أعاد تعريف المشهد بطريقة خدمت خصوم القضية أكثر مما خدمت جوهرها. فقد وجد كثيرون في الغرب والإقليم ضالتهم في تصوير الفلسطيني على أنه الخطر ذاته، لا الضحية، ثم قدّموا خطة ترامب كأنها السبيل الواقعي الوحيد لإغلاق هذا الباب المفتوح على الصراع.
لكن الخطورة لا تكمن في الخطة كوثيقة سياسية فحسب، بل في الفلسفة التي تنطوي عليها. فهي تُفرغ القضية من معناها الأصلي: فلسطين لا تعود وطنا مسلوبا لشعب مشرّد، بل تتحول إلى "ملف إنساني" قابل للإغلاق ببعض الامتيازات الاقتصادية. واللاجئ يصبح متلقيا للمساعدات لا صاحب حق عودة، والأرض تُختزل إلى إدارة أمنية تحت سيطرة الآخر، والمقاومة تُصوَّر عبئا على الاستقرار لا تعبيرا عن هوية حية. هنا يتجلى أخطر ما في الخطة: محاولة إعادة تعريف المفاهيم ذاتها.
إنها ليست صفقة سياسية بقدر ما هي محاولة لطمس الذاكرة. فهي تقول للشعب الفلسطيني: انسوا التاريخ، وانسوا الجذور، واكتفوا بالحاضر كما يرسمه لكم الآخرون. لكنها تغفل أن الشعوب لا تُمحى بقرار، وأن الهوية لا تُختزل بامتياز، وأن الأرض ليست قطعة ورق يمكن أن تُطوى في درج السياسات.

ما بعد السابع من أكتوبر وما بعد خطة ترامب

قد يخيّل للبعض أن هذا هو الختام، وأن الفصل الأخير قد كُتب بالفعل. لكن الحقيقة أن التاريخ لا يعرف النهايات المغلقة، بل يعرف المنعطفات التي تلد من رحمها بدايات جديدة. السابع من أكتوبر لم يكن النهاية، بل كان شاهدا على أن القضية لا تزال تنبض، حتى وإن استُخدم كذريعة لتسويق خاتمة مصطنعة.

إن ما بعد خطة ترامب ليس قدرا محتوما، بل امتحان لإرادة الفلسطينيين والأمة بأسرها: إما استسلام لرواية تُفرغ المعنى، أو استعادة للسردية الكبرى التي تقول إن فلسطين وطن، والحق لا يُشترى، والذاكرة لا تُمحى. وما يظنه البعض خاتمة قد يكون في الحقيقة افتتاحية طور جديد، أكثر وعيا وأعمق إدراكا، بأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تموت.

فالقضية التي وُلدت من صرخة ظلم، لن تنتهي بصفقة، ولن تُختصر في مشروع. ستظل حاضرة ما دام هناك طفل يحفظ اسم قريته كما يحفظ أنفاسه، وما دام هناك شيخ يروي حكاية الزيتون كما يروي صلاته، وما دامت هناك أمة تدرك أن الحق لا يُقاس بموازين القوة العارية، بل بموازين التاريخ والكرامة الإنسانية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. هل يصبح أحمد الأسير خارج السجن؟ وما مصير قانون العفو العام ف


.. جولة الصحافة| وول ستريت جورنال: شكوك بشأن التوصل إلى تسوية ق




.. نقاش الساعة - مصير هرمز.. هل تتراجع إيران عن السيطرة الكاملة


.. المتحدث باسم أسطول الصمود: ما يتعرض له الشعب الفلسطيني أفظع




.. موسم حج استثنائي للسودانيين في ظل الحرب وشح الإمكانيات