الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سندات الخزينة لدفع مستحقات المقاولين: قراءة في الدين الداخلي والتحديات المالية

سهام يوسف علي

2025 / 10 / 1
الادارة و الاقتصاد


أصدرت الحكومة العراقية مؤخراً قرار بإصدار سندات خزينة بقيمة 5 تريليون دينار لدفع مستحقات المقاولين التي تبلغ 7 ترليون دينار، بهدف ضمان استمرار المشاريع العامة. في الوقت نفسه، يصرح البعض من السادة الخبراء والمستشاريين، بأن الدين الداخلي البالغ 92 تريليون دينار يُدار بكفاءة، وأن هناك آليات لتحويل الدين إلى "حقوق استثمارية" ضمن مشاريع إنتاجية.
لكن رغم  هذه التصريحات  حول إدارة الدين الداخلي التي توحي بالثقة، إلا أن  الواقع المالي يظهر تحديات بنيوية تحتاج إلى معالجة.
الدين الداخلي وتكاليفه الخفية
يشيع ترويج فكرة أن الدين الداخلي "آمن" بحكم وجوده في حوزة المصارف الحكومية والبنك المركزي، غير أن التحليل الاقتصادي يكشف أن هذا التصور يتجاهل تكاليف حقيقية ،فالمصارف الحكومية التي تشتري سندات الدين تستخدم في ذلك ودائع المودعين، مما يقلص قدرتها على تمويل القطاع الخاص ويحد من دورها في دعم الاستثمارات الإنتاجية. كما أن لجوء البنك المركزي إلى التمويل النقدي، أي طباعة النقود لشراء السندات الحكومية، يظل احتمالاً قائماً، وهو ما قد يفضي إلى موجة تضخمية تلتهم القوة الشرائية للمواطنين. وبهذا، لا يقتصر أثر الدين الداخلي على كونه رقماً في السجلات المالية، بل يتعداه إلى كونه عبئاً مستمراً يثقل كاهل المالية العامة ويعوق نمو الاقتصاد الحقيقي.
سندات المقاولين: معالجة سطحية لأزمة هيكلية
يمثل إصدار سندات المقاولين محاولة لمعالجة اختناق مالي يعاني منه قطاع المقاولات، غير أن هذه الخطوة لا ترقى إلى معالجة جذرية للأزمة. ففي جوهرها، لا تعدو أن تكون عملية تدوير للسيولة داخل النظام الاقتصادي، حيث تنتقل الأموال من المصارف إلى المقاولين، ثم إلى العمال والفنيين، وقد تعود إلى الدورة الاقتصادية من خلال الإنفاق. بيد أن هذا النموذج يتجاهل الأسباب الهيكلية الكامنة وراء الأزمة، والتي تتجلى في ارتفاع الإنفاق الجاري، وضعف التخطيط الاستثماري، واستمرار تنفيذ مشاريع غير ذات أولوية. كما أن ضعف الثقة في البيئة المصرفية قد يحول دون عودة هذه السيولة إلى النظام المالي بالشكل المطلوب، مما يحد من أثرها في تحريك الاقتصاد الحقيقي.
مقترح تحويل الدين إلى استثمار
يبدو المقترح الرسمي القاضي بتحويل السندات إلى حصص في مشاريع إنتاجية جذاباً من الناحية النظرية، لكن التطبيق العملي يكشف عن تحديات جسيمة. فغياب معايير واضحة ومستقلة لتقييم الأصول العامة يشكل عائقاً أمام تحديد القيمة الحقيقية لتلك المشاريع، كما أن تجربة الإدارة الحكومية السابقة لا تبشر بكفاءة قادرة على تحقيق عوائد اقتصادية مجدية، مما يضع علامات استفهام حول جدوى المقترح الحالي وقدرته على الإضافة الحقيقية.
الثروات الوطنية ووهم السيولة الفورية
يؤكد المسؤولون في خطابهم الرسمي أن ثروات العراق تفوق حجم ديونه، غير أن هذه المقارنة تحتاج إلى إعادة نظر. فالثروات النفطية، رغم ضخامتها، ليست أموالاً سائلة متاحة للاستخدام الفوري، بل هي أصول تحتاج إلى استثمارات ضخمة ووقت طويل لتحويلها إلى سيولة قابلة لسداد الديون. كما أن الاعتماد على الثروات المستقبلية لتسديد الالتزامات الحالية يعني، في جوهره، رهن مستقبل الأجيال القادمة لمواجهة عجز الإدارة الحالية، وهو ما يطرح إشكالات أخلاقية واقتصادية بالغة الخطورة.
الواقع المالي كما تكشفه الأرقام
تكشف البيانات المالية الرسمية، حسب كشف حساب الدولة لغاية تموز 2025، عن هشاشة واضحة في الوضع المالي للعراق. إذ بلغت إجمالي الإيرادات 72 تريليون دينار، منها 64.9 تريليون نفطية (90%)، مما يعكس اعتماداً شبه كامل على القطاع النفطي. وفي المقابل، استهلكت النفقات التشغيلية 64.2 تريليون دينار، أغلبها مخصص للرواتب والتحويلات الاجتماعية للموظفين والمتقاعدين، بما يعادل حوالي 89% من إجمالي الإيرادات. هذا الوضع يترك هامشاً ضئيلاً للإنفاق الاستثماري، ويجعل أي إضافة جديدة للدين أو إصدار سندات مجرد تدبير ترقيعي يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية.
إضافة إلى ذلك، تتفاقم الضغوط بسبب تراجع الاحتياطيات الأجنبية من 120 مليار دولار منتصف عام 2023 إلى 92 مليار دولار منتصف عام 2025، ما يزيد من حدة التحديات التي تواجه السياسة النقدية والمالية ويحد من قدرة الحكومة على مواجهة الصدمات الاقتصادية المحتملة. هذه المؤشرات مجتمعة توضح أن أي دين إضافي أو إصدار سندات لا يمثل حلاً هيكلياً، بل إجراء مؤقتاً لتغطية الالتزامات الطارئة دون معالجة جذور الأزمة المالية.

ان استمرار الاعتماد على الدين الداخلي لتمويل الإنفاق الجاري يؤدي إلى إضعاف قدرة الحكومة على تحديد أولويات اقتصادية واضحة، كما يزيد من الضغوط على القطاع المصرفي، مما يقيد تمويل القطاع الخاص ويعوق تحفيز الاستثمارات المنتجة. وأي تأخر محتمل في سداد هذه الديون، أو أي ضغط على النظام المصرفي، قد يتطور إلى أزمة نقدية ومالية أوسع نطاقاً، يكون الخروج منها أكثر صعوبة وتعقيداً.
لا يكمن الحل في وعود تحويل الدين إلى استثمارات، بل في تبني إصلاحات هيكلية جريئة تشمل إعادة هيكلة الإنفاق الحكومي ووقف الهدر والفساد في المشاريع العامة، والسعي الحثيث الى تنويع مصادر الدخل. إن بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي هو الضمانة الوحيدة لتغطية الالتزامات دون اللجوء إلى مزيد من التراجع عن السيادة المالية. والطمأنينة الرسمية التي يروجها المسؤولون تخفي وراءها هشاشة حقيقية تهدد استدامة المالية العامة ومستقبل الأجيال القادمة، مما يستدعي وقفة جادة لإعادة النظر في النهج الاقتصادي القائم قبل فوات الأوان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. من يحكم صحراء الذهب في السودان؟


.. قراءة اقتصادية.. تداعيات الحرب تمتد إلى جيوب الأمريكيين عبر




.. قراءة اقتصادية.. كيف أثرت الحرب وإغلاق هرمز على واردات الصين


.. قراءة اقتصادية | التصعيد الأمريكي الإيراني.. مخاوف على إمداد




.. قراءة اقتصادية.. تأثير التوترات الجيوسياسية على إمدادات الم