الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من فضاء للتنوير إلى مسرح للإذلال... مأساة المدرسة الجزائرية
محفوظ بجاوي
2025 / 10 / 1التربية والتعليم والبحث العلمي
كرامة التلميذة… مرآة أمة ومدرسة
في الجزائر، تلك الأرض التي أشرقت في سبعينات القرن الماضي على أملٍ كبير بالحداثة والتحضر، كانت المدارس أبوابًا مشرعة للنور، تصوغ الحلم في وجدان جيل كامل. بدا وكأن المستقبل يصطف بين دفاتر التلاميذ وطباشير المعلمات، وكان العقل يُستنهض لبناء وطن يسابق الأمم.
لكنّ الزمن لا يسير دومًا في خط مستقيم. فجاءت بدايات الثمانينات لتعلن انكسارًا في المسار، طلوعًا مظلمًا بدّد الكثير من الآمال، وفتح الباب أمام موجة من الوصاية والجمود، حتى غدا التعليم في بعض جوانبه فضاءً للترويض بدل أن يكون محرابًا للتنوير. ومنذ ذلك الحين، أخذت المدرسة الجزائرية تفقد شيئًا فشيئًا من بريق رسالتها الكبرى.
بالأمس فقط، اهتزّت ذاكرتي وأنا أكتب عن حادثة مؤسفة في إحدى مدارس وطني: مديرة لم ترَ في التلميذات سوى وجوه تُغسل وملابس تُمنع، فأقدمت على إذلالهن علنًا، ناسبة الانضباط إلى فعل الإهانة. أثار الأمر نقاشًا واسعًا: من الناس من أيّد بحجة النظام، ومنهم من رفض بعين البصيرة.
وأنا هنا أقولها بوضوح: لم أطالب المديرة بأن تسمح أو تمنع، فذلك شأن إداري يخص اللوائح الداخلية وأولياء التلاميذ. ما دعوت إليه أبسط وأعمق: المعاملة الكريمة، والأثر النفسي الذي يظل عالقًا في أرواح التلميذات والطالبات. كيف نربي؟ كيف نوجّه؟ وكيف نحفظ كرامة الطالبة وهي في طور بناء شخصيتها؟
إن ما وقع لا يُسمّى انضباطًا، بل هو تخلّف وتجاوز للحقوق. فما علاقة شكل الوجه أو نوع البنطلون بروح التربية؟ المدرسة ليست ثكنة ولا محكمة تفتيش، بل هي فضاء للتعليم والمعرفة، ورسالة لبناء الإنسان الحرّ لا لإذلاله.
(الانضباط الحقيقي يعني: تعليم النظام – احترام الوقت – تحفيز التفكير النقدي).
أما تحويل التلميذات إلى قطيع يُحاكم على المظهر، فذلك ليس سوى عجز بيداغوجي، وانكسار أخلاقي لا يليق بمقام المربّي.
إن أخطر ما في هذه الممارسات أنها تزرع جرحًا خفيًا في وجدان التلميذات، جرحًا قد يرافقهن عمرًا بأكمله. فما يُظن أنه "درس في النظام" يتحوّل إلى عقدة في الشخصية، إلى خوف دفين من السلطة، إلى إحساس بالمهانة يطفو كلما واجهن الحياة.
دفاعنا عن التلميذات والطالبات لا يعني أننا نشجّع على تجاوز أعمارهن أو دفعهن إلى سلوكيات أكبر منهن، بل يعني ببساطة أن التربية لا تكون إلا بالحوار والقدوة والتوجيه الحكيم، لا بالإذلال وكسر النفوس.
أيتها المربيات، التربية ليست إذلالًا، بل رسالة عظيمة تُبنى على الحوار والقدوة والرحمة. وأي يد تمتد لكسر نفسية طالبة، إنما تخون قداسة الرسالة التعليمية.
وإلى الأولياء أقول: أبناؤكم أمانة، فلا تسكتوا عن الإهانة. إن الصمت اليوم يخلّف غدًا جيلًا منكسرًا، عاجزًا عن الإبداع، مترددًا في مواجهة الحياة.
المدرسة، يا سادة، ليست مكانًا لمطاردة المظاهر، بل معبدًا لبناء العقول. فإذا فقدت رسالتها، فقدنا معها أجمل ما يمكن أن تهبه الأمة لأبنائها: كرامة راسخة، وعقلًا حرًا، ونفسًا واثقة بذاتها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أكبر هجوم مسيّرات على موسكو... لماذا أصبح النفط الهدف الحقيق
.. نقاش الساعة - أمريكا وإيران.. الحرب تفرض إيقاعها والدبلوماسي
.. نقاش الساعة - ما هو مدى تحمل إيران أمام الضغط العسكري الأمري
.. مساعدات إسبانية تصل كوبا وسط استمرار انقطاع الكهرباء في البل
.. نقاش الساعة - هل يتحول هرمز إلى مقبرة لطموحات ترمب؟