الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تركيا بين صراع الأجنحة وتآكل الداخل

حجي قادو
كاتب وباحث

(Haji Qado)

2025 / 10 / 2
مواضيع وابحاث سياسية


يُقال إن القطّ قد تأكل أبناءها أحيانًا لأسباب غامضة يعجز البشر عن تفسيرها. وهذا ما يشبه ما يحدث اليوم في تركيا؛ حيث بدأ أردوغان يأكل أبناء مشروعه السياسي، وأبناء السلطة بدورهم يأكلون بعضهم بعضًا، لتدخل تركيا في مرحلة التآكل من الداخل.

على مدى السنوات الماضية، حاولت الدوحة إنقاذ الاقتصاد التركي عبر منح قروض واستثمارات ضخمة، مكّنت أنقرة من التقاط أنفاسها مؤقتًا. لكن سرعان ما عادت الأزمة الاقتصادية لتتفاقم، وتضخّمت الديون، وبدأت كبريات الشركات التركية تنهار، إلى أن وصل الأمر بتركيا إلى بيع أو تأجير مطارات كبرى في إسطنبول، ومرافئ وطرق سريعة وجسور، بل وربما مستشفيات، لمستثمرين أجانب أو للقطاع الخاص.

في موازاة هذا الانهيار الاقتصادي، تدور حرب خفية في كواليس حزب العدالة والتنمية بين كبار المسؤولين، وهي حرب تنعكس مباشرة على سلطة أردوغان وسياساته. وقد برز هذا الصراع بشكل أوضح عقب زيارة أردوغان الأخيرة إلى البيت الأبيض، والتي وصفها الإعلام التركي الرسمي بأنها "ناجحة وإيجابية"، فيما اعتبرها وزير الخارجية هاكان فيدان "فاشلة بكل المقاييس".

كشف فيدان المستور حين أشار إلى أنّ العقوبات الأمريكية على تركيا ما زالت قائمة، وأن واشنطن رفضت بيع محركات طائرات "نافاسا"، ما فضح هشاشة الادعاءات التركية حول "الصناعة المحلية" في مجال الطيران العسكري. توقفت الشركة المعنية عن العمل، واندلع خلاف حاد بين هاكان فيدان وبين بيرقدار، صهر أردوغان والمتربع على عرش الصناعات العسكرية. وبات واضحًا أن الخلاف يتمحور حول من سيخلف أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

هذا الصراع تعمّق أكثر مع اختفاء رئيس كبرى شركات تصنيع الصواريخ في تركيا، في ظل اتهامات بعلاقته الوطيدة بهاكان فيدان، الذي يُعتقد أنه يعوّل على هذه الشركة لتأمين دعم مالي لحملته المحتملة للرئاسة. ومع ذلك، فإن أردوغان عاجز عن إقصاء فيدان من منصبه، كما فعل سابقًا مع أحمد داوود أوغلو، لأن فيدان يمتلك أسرارًا خطيرة عن الدولة، بحكم توليه رئاسة جهاز الاستخبارات لأكثر من عقد. وهو مطلع على تفاصيل "المسرحية الانقلابية" عام 2016 التي استغلها أردوغان لترسيخ حكمه.

من جهة أخرى، فجّرت المعارضة مفاجأة بكشفها عن زيارة سرية قام بها نجل دونالد ترامب إلى تركيا، وإبرامه صفقة غاز ونفط مع أردوغان قبيل زيارة الأخير إلى واشنطن. وقد أصيب أردوغان بصدمة من تسريب هكذا معلومات حساسة إلى الإعلام، ووجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى هاكان فيدان، وسط شكوك بأنه ربما يتواصل مع المعارضة ضد أردوغان وصهره بيرقدار.

هذا المشهد المعقّد استدعى دخول رئيس جهاز الاستخبارات الحالي على الخط، حيث أكد أن فيدان بات يشكل عقبة أمام حل العديد من القضايا الداخلية، وعلى رأسها القضية الكردية في تركيا. فبينما يدفع فيدان نحو الحل العسكري ضد قوات سوريا الديمقراطية، يرى رئيس الاستخبارات أنّ الأفضل هو تجنّب الحرب والسعي إلى تسوية سياسية عبر الحوار.

هكذا تبدو تركيا اليوم: صراع داخلي بين أجنحة السلطة، أزمة اقتصادية تتفاقم، خلافات حول الملفات الإقليمية، وتآكل في ثقة الحلفاء. وإذا كانت القطط تأكل أبناءها بدافع غريزي غامض، فإن أردوغان بدأ يأكل مشروعه السياسي بوعي أو بغير وعي، ليدخل هو وحزبه مرحلة صراع داخلي قد تكون أخطر من كل ما واجهته تركيا في العقدين الأخيرين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قرارات أوروبية عاجلة واستنفار إقليمي.. ماذا يجري خلف الكوالي


.. كيف يتشكل المشهد في إيران في ظل التطورات الأخيرة؟




.. مسار الأحداث | ويتكوف يعلن رسميا بدء المرحلة الثانية من اتفا


.. أستاذ علاقات دولية للجزيرة: أي هجوم على إيران يهدد أمن الخلي




.. العالم الليلة | رعب في إسرائيل.. سر اختفاء نتنياهو وفتح المل