الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المشروع الكُردي في سوريا والردع التركي... صراع السياقات والمآلات
مروان فلو
2025 / 10 / 2مواضيع وابحاث سياسية
المقدمة:
تشهد الساحة السورية حالة من التوتر المتصاعد تحمل في طياتها احتمالات التصعيد العسكري بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من جهة، والقوات التابعة للحكومة السورية المؤقتة والفصائل المتحالفة معها بدعم تركي من جهة أخرى. تهدف هذه الورقة إلى تحليل الأبعاد المتشابكة لهذا التوتر، من خلال تتبع جذور الأزمة في اتفاقيات الدمج العسكري الفاشلة، وقراءة الاستراتيجيات الإقليمية والدولية، واستشراف السيناريوهات المحتملة وآثارها على مستقبل المنطقة، مع التركيز على الموقف التركي ومخاطره المحسوبة.
١. الإطار النظري للأزمة: من التفاوض إلى التصعيد
تُعتبر الاشتباكات المتفرقة التي تشهدها خطوط التماس في ريف حلب الشرقي ومنبج، مثل تلك التي وقعت قرب سد تشرين وفي منطقة تل ماعز، مؤشراً عملياً على هشاشة الوضع الراهن(١)(٣) .
هذه الاشتباكات ليست منعزلة، بل هي تعبير عن أزمة هيكلية أعمق تتعلق بفشل تطبيق "اتفاق 10 آذار/مارس 2025" التاريخي، الذي نص على دمج المؤسسات العسكرية والمدنية التابعة لـ "قسد" ضمن هياكل الدولة السورية (٣) .
جوهر الخلاف يدور حول طبيعة هذا الدمج؛ فبينما تصر دمشق على انضمام مقاتلي "قسد" كأفراد أو كوحدات صغيرة ضمن ألوية الجيش التابعة لوزارة الدفاع، تتمسك "قسد" بالدمج ككتلة عسكرية متماسكة، وهو ما ترفضه دمشق بشدة لأنه يمس بمركزية الدولة وسيادتها على القرار العسكري (٢).
٢. تشريح الموقف التركي: بين الضغط والخوف
يمثل الموقف التركي الحلقة الأكثر تأثيراً في المعادلة. تركيا، التي تعتبر "قسد" امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف لديها "إرهابياً"، ترفض أي وجود لهذه القوة على حدودها الجنوبية (٤)(٧). لذلك، فإن تحركات أنقرة تنطلق من دافع أمني وجودي، ويمكن تفكيكه على النحو التالي:
استراتيجية الضغط المزدوج: تعمل أنقرة على مسارين متوازيين: الأول دبلوماسي عبر الدعم السياسي والمباحثات المستمرة مع الحكومة السورية المؤقتة، والثاني عسكري عبر التهديد العلني بشن عملية عسكرية في حال فشل مسار الدمج (٧) .
وقد تجلى هذا التهديد في تحذيرات وزارة الدفاع التركية الرسمية لـ "قسد" بعدم التراجع عن التزاماتها (٧).
سعيٌ لتفعيل "اتفاق أضنة" المعدل: تسعى تركيا جاهدة لإحياء اتفاق أضنة الأمني الموقع مع سوريا عام 1998، ولكن مع تعديل بند رئيسي فيه يسمح لها بالتدخل عسكرياً حتى عمق 35 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، بدلاً من 5 كيلومترات كما ينص الاتفاق الأصلي (٧) .
هذا التعديل سيمنحها الغطاء القانوني المطلوب لتنفيذ عمليات عسكرية مشتركة مع دمشق ضد ما تسميه "المشروع الانفصالي".
لمخاوف المحسوبة: رغم خطاب القوة، فإن أنقرة تدرك جيداً أن الانزلاق إلى معركة طويلة الأمد مع "قسد" قد يكون مكلفاً وغير مضمون العواقب. مثل هذه المعركة قد تؤدي إلى عدم استقرار داخلي في تركيا نفسها، وتوسع رقعة الصراع، وتصاعد الخسائر، وهو ما يفسر الطابع "الخجول" والمحدود لدعمها الحالي للفصائل السورية، والذي يهدف في الغالب إلى "جس النبض" واختبار قدرات وردود فعل "قسد" (٨).
٣. التدخلات الدولية: لعبة المصالح المتقاطعة
لا يمكن فهم تعقيدات المشهد من دون رصد مواقف اللاعبين الدوليين الرئيسيين وأدوارهم:
الولايات المتحدة: ظلت واشنطن الداعم الأكبر لـ "قسد" منذ عام 2015، حيث قدمت لها دعماً عسكرياً ولوجستياً وتدريبياً مكثفاً، خاصة لوحدات مكافحة الإرهاب (YAT) التابعة لها (٤)(٩) . ومع ذلك، يشير التحليل إلى أن الدعم الأمريكي أصبح متردداً ومشروطاً في المرحلة الحالية. فقد بدأت واشنطن تضغط باتجاه الحل السياسي والدمج مع الحكومة السورية، ربما في إطار سعيها لتحقيق استقرار إقليمي يخدم أولوياتها ويخفف من حدة التوتر مع حليفتها تركيا (٢).
روسيا: على النقيض من الوضع ، لا توجد في نتائج البحث تفاصيل واضحة عن الموقف الروسي المحدد من الاشتباكات الحالية بين الجيش السوري و"قسد". ومع ذلك، يُفترض أن لموسكو، دوراً ومصلحة في أي تسوية مستقبلية.
إسرائيل: كما أشرت من خلال تحليلي، تقوم إسرائيل بدور معرقل للاستقرار في سوريا. وقد اتهم وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بشكل مباشر إسرائيل بـ "إفتعال الأحداث في السويداء لبث الفتنة الطائفية"(١) . هذا التدخل الخارجي يزيد من تعقيد المشهد الداخلي السوري الهش أساساً.
٤. سيناريوهات المستقبل: بين الانفجار والاحتواء
بناءً على تحليل التوازنات الحالية، يمكن استشراف عدد من السيناريوهات المحتملة لتطور الأزمة:
السيناريو الأول: التصعيد المحدود والمستمر - وهو الأكثر ترجيحاً، حيث تستمر الاشتباكات المتقطعة وتبادل الاتهامات كأداة للضغط من كلا الطرفين، دون الدخول في مواجهة شاملة يدرك الطرفان كلفتها الباهظة (٨).
السيناريو الثاني: التفاوض تحت الضغط - قد تؤدي الضغوط التركية والمخاوف الدولية من انهيار الوضع إلى إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، ربما مع تقديم تنازلات جديدة من "قسد" فيما يخص اللامركزية الإدارية مقابل ضمانات لأمنها المجتمعي (٢).
السيناريو الثالث: الانفجار الواسع - يبقى هذا السيناريو احتمالاً وارداً رغم انخفاض درجة ترجيحه. في حال قررت تركيا أن مخاطر الصمت أكبر من مخاطر العمل العسكري، أو في حال وقع حادث عسكري كبير يخرج الأمور عن السيطرة، قد نرى عملية عسكرية تركية – سورية مشتركة محدودة تستهدف إضعاف "قسد" بشكل حاسم، لكنها تحمل خطر تحولها إلى حرب استنزاف طويلة.
٥. الاستنتاجات والتوصيات
في الختام، تؤكد التحليلات أن تركيا، رغم مظاهر القوة التي تظهرها، هي الطرف الأكثر حرجاً وخوفاً من تطورات الملف. قراءتها الخاطئة للواقع وتعنتها في التعامل مع الملف الكُردي داخلياً وخارجياً، قد يجعلها الخاسر الأكبر جيوسياسياً واقتصادياً، خاصة في ظل انكشاف تناقضات سياستها للرأي العام العالمي الذي لم يعد لديه الصبر لتمديد الصراعات إلى ما لا نهاية. الضوء الأخضر المزعوم من إدارة ترامب ، إذا كان قد حصل، يبدو أقرب إلى توريط أردوغان في مغامرة غير محسوبة العواقب، وهو يعرف ذلك جيداً.
أما بخصوص ما تبقى من فعل، فيكمن في نقطة ضعف تركيا الحقيقية: وحدة الصف الكُردي. تعزيز التحالفات العسكرية بين "قسد" والقوى الكُردية الأخرى (كالبيشمركة)، ونقل المعركة إلى داخل العمق التركي عبر تحريض كُرد باكور ( تركيا) على القيام بمظاهرات تعم المدن، وإدارة حملة إعلامية دولية ذكية تفضي سياسات أنقرة، هي جميعاً أدوات ضغط قد تثنيها عن المغامرة، أو على الأقل ترفع كلفتها إلى مستوى غير محتمل.
++++++++++++++++&&&
المراجع
1. إعلام سوري: اشتباكات بين الجيش و«قسد» قرب سد تشرين في ريف حلب - الشرق الأوسط
2. دمج "قسد" في الجيش السوري.. عقدة عسكرية أم أزمة سياسية وقانونية؟ - الجزيرة نت
3. اشتباكات بين الجيش السوري و"قسد" في حلب - الشرق
4. لماذا تشكل قوات قسد أكبر تحد عسكري للإدارة السورية الجديدة؟ - الجزيرة نت
5. الجيش السوري يرد على هجوم صاروخي لـ"قسد" في حلب - سي إن إن بالعربية
6. مواجهات «قسد» والجيش السوري تعيد اتفاق أضنة إلى الواجهة - الجزيرة مباشر
7. تحركات "قسد" نحو مناطق دمشق.. مناوشة عابرة أم تكتيك لمسار جديد؟ - الجزيرة نت
8. بحث - قوات سوريا الديمقراطية (قسد): دراسة تحليلية شاملة - Asia News LB
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حركة الملاحة تعود إلى هرمز.. هل نجح الحصار الأميركي لإيران؟
.. الرئيس الأمريكي ترمب يلتقي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي
.. القصف الإسرائيلي لمحيط النبطية يجبر الأهالي على المغادرة
.. قمة السبع ترحب بتفاهمات واشنطن وطهران وتشدد على أمن الملاحة
.. خبير عسكري: الاحتلال يطور استراتيجيته لتهديد المدن الرئيسية