الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


انهيار وهم الحماية: درس الدوحة في منظومة الأمن الخليجي والعربي

ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)

2025 / 10 / 2
السياسة والعلاقات الدولية


شكّل الهجوم الإسرائيلي على الدوحة، بذريعة استهداف قيادات من حركة حماس، سابقة خطيرة في مسار الصراع الإقليمي، ليس فقط لخرقه العلني لسيادة دولة خليجية تحتضن أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة، بل لأنه فتح تساؤلات استراتيجية حول موازين القوى والتحالفات القائمة.
إسرائيل لم تكتفِ بإعلان مسؤوليتها الفورية، بل أكدت حقها في ملاحقة حماس في أي مكان، فيما حاولت الولايات المتحدة احتواء الموقف عبر استنكار محدود وتطمينات لاحقة للدوحة، هذا الفعل يفرض إعادة تقييم عميقة لأهداف إسرائيل الخفية ولانعكاسات الحدث على منظومة الأمن الإقليمي.
يبدو التفسير المباشر للعملية مرتبطًا بعقيدة إسرائيل الأمنية القائمة على "قطع الرأس لإضعاف الجسد"، استهداف قادة حماس في الخارج يسعى إلى تقليص قدرة الحركة على إدارة الصراع، وإظهار اليد الطويلة للاستخبارات الإسرائيلية، غير أن النتائج العملية جاءت محدودة، حيث لم يتحقق الهدف المعلن بالاغتيال الكامل، فارتفعت كلفة العملية سياسياً ودبلوماسياً.
لقد أرادت "تل أبيب" أن تؤكد لحلفائها وخصومها على حد سواء أن "الملاذات الآمنة" لم تعد كذلك، لكن هذه الرسالة ارتدت عكسياً، إذ سلّطت الضوء على هشاشة الترتيبات الأمنية الأمريكية في الخليج وأثارت تساؤلات حول صدقية الالتزامات الدفاعية لواشنطن تجاه شركائها!
لا يقتصر المعنى الاستراتيجي على ضرب قيادات حماس، بل يتعداه إلى ضرب الدور السياسي والإعلامي القطري في القضية الفلسطينية، فمنذ سنوات، لعبت الدوحة دور الوسيط في ملفات التهدئة والمصالحة، كما شكلت قناة اتصال مباشرة وغير مباشرة بين أطراف متصارعة، ومحاولة تقويض هذا الدور يخدم إسرائيل التي تفضّل إدارة الأزمة عبر القوة العسكرية لا عبر الوساطات، وبالتالي، العملية ليست فقط عسكرية بل رسالة لإقصاء لاعب إقليمي مزعج لحرية الحركة الإسرائيلية في المنطقة.
إن أخطر ما كشفته العملية هو اهتزاز الثقة الخليجية في المظلة الأمريكية، فكيف يُسمح لطائرات إسرائيلية بالتحليق أو تنفيذ عملية نوعية في نطاق تحالف عسكري تقوده واشنطن؟ هنا تبرز قراءة واقعية: التحالفات ليست ضمانات مطلقة، بل ترتيبات مرنة تعاد صياغتها عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى؛ بالنسبة لواشنطن، حماية إسرائيل تظل أولوية تفوق اعتبارات شركائها الخليجيين، وهو ما يضعف منطق "الحليف الموثوق" الذي راهنت عليه دول الخليج لعقود.
كما تُعدّ الضربة الإسرائيلية مؤشراً على خلل جوهري في منظومة الأمن الخليجي التي تأسست منذ الثمانينيات على أساس "المظلة الأمريكية"، فدول الخليج دفعت مئات المليارات في صفقات تسليح واتفاقيات دفاع مشترك واستضافة قواعد عسكرية كبرى، على افتراض أنها توفّر حماية ضد أي اعتداء خارجي، لكن الحدث كشف أن الخطر قد لا يأتي من "الخصم الإقليمي التقليدي" كإيران أو العراق، بل من حليف وثيق لواشنطن، وبموافقة أو تغاضٍ أمريكي ضمني.
هذا التحوّل يُعيد تعريف مفهوم "التهديد" في الذهنية الخليجية: لم يعد الخطر مرتبطًا فقط بالجوار الإقليمي، بل بات مرتبطًا بإمكانية توظيف الحليف نفسه أدواته العسكرية ضد شركائه، والنتيجة أن الدفاع المشترك الخليجي يبدو هشًّا أمام اختراقات من داخل المنظومة الأمنية، الأمر الذي يهدّد بفقدان الثقة بالتحالفات الغربية ويفتح نقاشاً حول جدوى الإنفاق العسكري الضخم الذي لم يمنع اعتداءً مباشراً على عاصمة خليجية!
على المدى البعيد، يشير هذا الخلل إلى أن دول الخليج قد تضطر إلى إعادة النظر في استراتيجيتها الأمنية: إما بتطوير قدرات دفاعية مستقلة أقل اعتماداً على الولايات المتحدة، أو عبر تنويع الشراكات مع قوى دولية أخرى (كالصين وروسيا وباكستان)، كما فعلت الرياض التي نجحت بصمت في توقيع اتفاقية دفاع مشترك مع دلهي مؤخراً، أو حتى بالبحث عن صيغ أمن إقليمي أكثر شمولية تراعي مصالح جميع الأطراف، وفي كل الأحوال، العملية شكّلت صدمة استراتيجية تُضعف أسس العقيدة الأمنية التي تأسس عليها مجلس التعاون الخليجي.
ما هي الاستفادة الاستراتيجية على الصعيد العربي من درس الدوحة؟
الاعتداء الإسرائيلي على الدوحة شكّل رسالة واضحة بأن التهديد يمكن أن يمتد إلى أي عاصمة عربية ترى إسرائيل أنها تعرقل مصالحها، هذا الحدث كشف هشاشة الرهان على الحماية الخارجية أو على التطبيع كضمانة للأمن، وأكد أن حتى الدول التي اعتمدت على القوة الناعمة والدور الوسيط ليست بمنأى عن الاستهداف! ومن هنا، يتضح أن الأمن العربي لا يمكن تجزئته أو تركه رهين المبادرات الفردية، بل يتطلب تنسيقاً استراتيجياً يضع خطوطاً حمراء جماعية لأي اعتداء.
كما أبرزت الواقعة ضرورة الجمع بين أدوات القوة الناعمة التي طورتها بعض الدول العربية، وبين بناء قدرات ردعية صلبة –عسكرية وأمنية وسيبرانية– بما يضمن حماية الدور العربي المستقل من الابتزاز، كذلك فإنها أعادت التذكير بأهمية تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان الكامل للولايات المتحدة، بحيث يمتلك العرب هامش حركة أوسع في مواجهة الهمجية الإسرائيلية.

وبالمحصلة، فإن "درس الدوحة"، استراتيجيا، يعني أن الطريق نحو حماية العواصم والمصالح يمر عبر موقف عربي موحّد يوازن بين الردع الصلب والدبلوماسية النشطة، ويعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل على أساس المصلحة العربية المشتركة لا على حسابها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. استعدادات الجيش السوري والشرطة العسكرية لدخول دير حافر بحلب


.. ما مستقبل علاقة -قوات قسد- بالتحالف الدولي عقب التفاهم على ا




.. مراسلة الجزيرة: استشهاد طفل فلسطيني برصاص قوات الاحتلال الإس


.. ما القراءة العسكرية لانسحاب قوات -قسد- من دير حافر في حلب؟




.. الجيش السوري يصل مشارف دير حافر بانتظار انسحاب قسد دون إعلان