الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحياة مواقف و ليست مصالح

نصرت كيتكاني

2025 / 10 / 3
قضايا ثقافية


الحياة مواقف وليست مصالح

لم يكن الإنسان في يوم من الأيام مجرد كائن يسعى وراء المنفعة وحدها؛ بل كان جوهر العلاقات البشرية يقوم على المشاركة، التضامن، والوقوف مع الآخر في أوقات الشدة قبل أوقات الرخاء.
لكن مع تغيرات العالم الحديثة و تسارع إيقاع الحياة، تحولت كثير من الروابط الإنسانية إلى علاقات مشروطة بالمصلحة، حتى بات السؤال الذي يطرح عند بناء أي علاقة: "ماذا سأستفيد؟"

هذا التحول لم يأت من فراغ.
فالعالم الذي يزداد فيه الضغط الاقتصادي، والصراعات السياسية، وأزمات الثقة، جعل بعض الناس ينظرون للعلاقة الاجتماعية كصفقة أكثر من كونها رابطا إنسانيا.
وهنا يكمن الخطر: لأن المجتمع الذي تتحول فيه الصداقة إلى مصلحة، والقرابة إلى منفعة، يصبح هشا وسهل التفكك.
فالعلاقات التي تبنى على المنفعة فقط سريعة الزوال. فعندما تنتهي المصلحة، ينتهي معها "الحب" و"الود" وكأن شيئا لم يكن.
في حين أن المواقف الحقيقية — كالوقوف مع صديق في محنة، أو دعم أخ في لحظة ضعف، أو نصيحة صادقة دون انتظار مقابل — هي التي تبني الروابط العميقة والدائمة.
هنا نكتشف أن المصلحة ليست سوى "غلاف هش"، بينما الموقف الصادق هو "الجذر الراسخ".

و عندما تسود المصالح على حساب المواقف، يتفكك المجتمع تدريجيا.
يصبح الانتهازي في موقع القيادة لأنه يعرف كيف "يستغل" الآخرين.
و يتراجع أصحاب القيم لأنهم لا يجيدون لعبة المصالح.
يسود جو من انعدام الثقة: فلا أحد يثق بالآخر لأنه يخشى أن يترك عند أول خسارة.
وهذا ما نشهده اليوم: صراعات، خيبات، عزلة اجتماعية، وشعور متزايد بالغربة حتى داخل الوطن.

فالموقف لا تقاس بالمال ولا بالربح، بل تقاس بالإنسانية.
قد يكون شخص ما فقيرا، لكنه بكلمة طيبة أو وقفة وفاء في لحظة صعبة يترك أثرا لا يمحى. وقد يكون آخر غنيا، لكنه عند أول اختبار يتركك وحيدا، فتكتشف أن كل ما كان بينكما مجرد "مصلحة مقنّعة".
الذاكرة الإنسانية لا تحفظ تفاصيل المصالح، بل تحفظ من كان بجوارنا حين احتجنا إليه.
هذه هي المعادلة البسيطة التي كثيرون نسوها في خضم زحمة الحياة.
و إن علاج هذه الأزمة يبدأ من إعادة الاعتبار للقيم الإنسانية، والتأكيد أن:
العلاقات تبنى على الوفاء لا على المنفعة.
الإنسان يقاس بموقفه لا بما يملك.
المصلحة قد تحقق لك مكسبا آنيا، لكن الموقف يمنحك احتراما دائما.
وعلى النخب الثقافية والسياسية و الإعلامية مسؤولية مضاعفة في إعادة التذكير بهذه القيم، لأن المجتمعات لا تنهض إلا عندما تكون الروابط بين أفرادها صلبة قائمة على التضامن و الثقة، لا على الصفقات و المناورات.
الحياة ليست سباقا للبحث عن أكبر منفعة، بل رحلة لا يبقى منها سوى أثر المواقف.
قد تخسر مالا، منصبا، أو منفعة، لكنك تكسب إنسانا حقيقيا وقف إلى جانبك في يوم عصيب، وهذا أعظم ربح.

فلنسع لإعادة الاعتبار للإنسانية في علاقاتنا، لأن المصالح زائلة، أما المواقف فخالدة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بين هرمز والتخصيب والعقوبات.. كواليس صياغة مذكرة التفاهم الأ


.. موفد الجزيرة يرصد استعدادات المنتخب المغربي في نيوجيرسي لموا




.. ترمب يعلن -اعتذار إيران- لأميركا.. وبوادر انقسام في طهران


.. أميركا: الاتفاق يفتح الباب لسلام طويل.. وإيران: الحرب ستتوقف




.. تمشيط ناري بمحيط مرتفع علي الطاهر ومحاولة تقدم إسرائيلية بات