الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الفستان

نعمة المهدي

2025 / 10 / 3
الادب والفن


"بعض الأقمشة أثقل من الحديد حين تكون محشوّةً بذكريات."
في حياة كلّ إنسان أشياء بسيطة تتحوّل بمرور الزمن إلى أوطان صغيرة للذاكرة؛ قطعة قماش، صورة قديمة، أو حتى حجر وورقة. وفي قلب "أبو سمير" لم يبق من زوجته الراحلة سوى فستان أسود وحيد، صار أثقل من الحديد لأنه مشبع بروحها.
لم يبق من ثيابها سوى ذلك الثوب المنزلي البسيط، الذي اعتادت أن ترتديه داخل البيت. أما بقية الملابس فقد تصدّق بها، حتى كرسيها المتحرك والعصا التي كانت تتوكأ عليها. بقي الفستان وحيدًا في الخزانة ـ أو كما يسمّيه أهل البيوت القديمة "الكنتور" ـ معلّقًا في صمتٍ يشبه الصلوات المكتومة.
كان "أبو سمير" يفتح الخزانة بين حينٍ وآخر، يمدّ يده بحذرٍ نحو الفستان، كأنّه يلمس أطراف روحٍ ما زالت تحوم حوله. رائحة عطرها البسيط ما زالت تفوح من القماش، تعيده إلى ليالٍ كانت فيها تملأ البيت بخطواتها وضحكاتها، وإلى صبرٍ لم يعرف له مثيل.
تذكّر ذلك الصباح البعيد، حين همّ بالخروج إلى وظيفته، فلاحظ أنّ الفستان ممزّق من أحد جانبيه. كانت سنوات الحصار تنخر الأجساد وتسرق القوت، والراتب الشهري لا يكفي سوى عشرة أيام. أما هو، فكان يقود سيارته في بقية الشهر كسائق أجرة. لم تطلب منه يومًا شيئًا، لا ثوبًا ولا زينة، بل كانت تكتفي بابتسامة راضية. يومها اغرورقت عيناه بالدموع، وأقسم أن يشتري لها فستانًا جديدًا من أول راتب يتحسّن. وقد فعل؛ وحين انتقل بعد أشهر إلى دائرة أوسع رزقًا، ذهب معها إلى السوق واشترى لها أربعة فساتين دفعةً واحدة. لكنها، بحكمة قلبها، أبقت ذلك الفستان الأسود لأنه جاء في أتعس الأوقات، وصار شاهدًا على صبرها.
جلس ذات مساء على حافة السرير، أخرج الفستان ووضعه على ركبتيه. مرّر يده على الأزرار الصغيرة، ثم رفع الحافة وقبّلها كما لو كان يقبّل يدها. تردّد في أذنه صدى كلماتها الأخيرة: "تصدّق بملابسي كلها، لكن أبقِ هذا الفستان… ففيه بقاياي." عندها فهم أنّ الفستان لم يعد قماشًا، بل صار ذاكرةً مكثّفة، ووعاءً لنبضٍ انقطع.
وفي ليلة خانقة بلا كهرباء، خرج إلى الشرفة واضعًا الفستان على كتفيه. نسمةٌ خفيفة حرّكت الأكمام، فأحسّ بها تربّت عليه. لم يكن وهمًا، بل عزاءً منسوجًا في خيوط سوداء.
وفي صباحٍ تالٍ، وهو يحتسي قهوته، لمح انعكاسه في زجاج المكتب؛ فرأى نفسه ورأى ظلّها في الفستان، يقفان معًا كجسدين متداخلين. ابتسم فيما دمعة ساخنة تحفر مسارها على وجنته، وعاد مساءً ليعلّقه في مكانه بهدوء.
أغلق الخزانة وهمس:
"نامي الآن… غدًا عيدٌ آخر."








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -مصطفى غريب مهاجم وشيكو حارس مرمى ??- لو هتختار تشكيلة المنت


.. تجربة الفنانة ريهام عبد الغفور من الـ Fan Zone ? #معكم_منى_ا




.. توقعات الفنان حاتم صلاح لمنتخب مصر فى كأس العالم #معكم_منى_ا


.. وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني أحد أبرز وجوه الفن المعاصر




.. -هوليوود أفريقيا-.. متحف تاريخ السينما بورزازات المغربية شاه