الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الذاكرة الشعبية في مواجهة التطبيع
سناء عليبات
2025 / 10 / 3مواضيع وابحاث سياسية
في زمن تُستكمل فيه جريمةُ الإبادة أمام أعين العالم، يستمر احتلالٌ لا يكتفي بالاستيطان بل يتبوّأ سياسةً منسجمةً مع القتل المنهجي والتجويع، ثم يعمد إلى محاصرة المساعدات والملكيات الإنسانية كأنّها عُصابةٌ منطقية تُبرّرُ الجريمة. وها هو يمعن في جرائمه حتى في وجه المبادرات الإنسانية، كما حدث مع أسطول الصمود الذي حاول كسر الحصار بحمولة دواء وغذاء، فإذا به يواجه آلة القمع الصهيونية كأنّ مجرّد فعل التضامن بات جريمة يعاقَب عليها. هذه ليست شذرات طارئة في المشهد، بل هي البرهان على أنّ المشروع الصهيوني لا يعيش إلا بتوسيع دائرة القتل، وأنّ النظام الدولي ـ الغربي والعربي على حدّ سواء ـ قد ارتضى لنفسه دور الشريك الصامت أو المبرِّر، إذ يكتفي ببيانات جوفاء فيما يواصل الاحتلال فعله اليومي في إنتاج الموت.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ماذا نفعل نحن، في الداخل التونسي، في الجهات البعيدة حيث لا سفارات ولا مواقع مباشرة للتأثير السياسي؟ هل نصمت بدعوى العجز؟ إنّ الصمت في هذه الحالة ليس حيادًا، بل تطبيعٌ نفسيّ مع الجريمة، وتحوّلٌ تدريجيّ في الوعي يجعل المذبحة اعتيادًا، والموت خبرًا عابرًا. ولهذا فإنّ المظاهرات، مهما كانت محدودة، تظلّ ضرورة قصوى: فهي رفضٌ للتطبيع النفسي مع الإبادة، وهي تربيةٌ للأجيال الجديدة على أن الظلم لا يُسكت عنه، وأنّ القضية الفلسطينية ليست شأنًا محليًا أو قوميًّا ضيقًا بل قضية إنسانية كبرى تختبر ضمير العالم.
ومن هنا فإنّ واجب المجتمع المدني لا يقف عند حدود الشجب، بل يتجاوزها إلى تحويل الغضب الشعبي إلى قوة ضغطٍ ملموسةٍ على الحكومات، لإلزامها بسنّ قوانين واضحة وصريحة تجرّم كل أشكال التطبيع، وتقطع الطريق على كلّ محاولات اختراق الوعي الشعبي وتليينه. فالتطبيع لم يعد مجرّد سياسة خارجية، بل صار اختبارًا للأخلاق الوطنية: من يهادن الاحتلال إنما يشارك في الجريمة، ومن يصمت عن المطالبة بتجريم التطبيع إنما يمنح القاتل شهادةَ براءةٍ ضمنية.
ولئن ادّعى البعض أنّ هذه المظاهرات لن تغيّر القرار الدولي، فإنّهم يتغافلون عن أنّ القوة الحقيقية للشعوب ليست في موقعها الدبلوماسي بل في قدرتها على صناعة الذاكرة، والذاكرة حين تُترجم إلى فعل جماعي تصبح أقوى من كلّ بيانات التواطؤ. هي الذاكرة التي تقول: إنّنا لم نصمت، لم نساوم، لم نرضخ، بل خرجنا إلى الشارع، وفضحنا القتلة وحلفاءهم، وتركنا للتاريخ أثرًا لا يُمحى. أمّا الحكومات العربية التي تتلهّى بصفقات الغاز والسلاح، أو التي تخشى على كراسيّها من غضب الشارع، فهي شريكة في الجريمة بالصمت والتواطؤ، كما أنّ أوروبا التي تدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان بينما تسلّح الاحتلال، وأمريكا التي ترعاه بلا مواربة، كلّها أطرافٌ في مسرح الإبادة. ومن هنا فإنّ كلّ مظاهرة، كلّ مسيرة، كلّ صوت يهتف ضدّ الاحتلال، ليس مجرد فعل رمزي، بل هو مقاومةٌ فعليةٌ لمنظومة النسيان والتبرير التي يحاول العالم الرسمي فرضها علينا.
المظاهرة إذن ليست حدثًا فولكلوريًا، ولا تنفيسًا عاطفيًا عابرًا، بل هي فعل تأسيسيّ للضمير الجمعي، فعل يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، فعلٌ يربّي على أن الحرية لا تُستجدى بل تُنتزع، وعلى أن فلسطين ليست ملفًّا خارجيا بل مرآةٌ لكرامتنا نحن. ومن يستهزئ بهذه المظاهرات إنما يستهزئ بذاكرته هو، وينكر على نفسه حقّه في أن يكون جزءًا من التاريخ.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نقاش الساعة | طهران تسلم باكستان نصا جديدا من 14 بندا لإنهاء
.. وزارة الصحة الفلسطينية: استشهاد فلسطيني متأثرا بإصابته برصاص
.. مراسل الجزيرة: الاحتلال يوسع توغله شرقي غزة ويستهدف الصيادين
.. لماذا تصعّد إيران ضد منشآت مدنية رغم التحذيرات الدولية؟ | #س
.. تصعيد ميداني متواصل في جنوب لبنان.. إسرائيل توسع غاراتها وحز