الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-نهاية المرحلة الإخوانية: قبول حماس للعرض الأمريكي-

سناء عليبات

2025 / 10 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


انتهت مرحلة الرهان الإخواني على إدارة الصراع، لكن فلسطين ليست ملفًا تفاوضيًا يُدار وفق أهواء الوسطاء والعملاء؛ إنها قضية تحرر ووجود، أقدم وأوسع من أي تنظيم ظرفي، لأنها تختزن جوهر المواجهة ضد الاستعمار والهيمنة، وتظل أفقًا مفتوحًا أمام الشعب الفلسطيني في سعيه إلى الحرية والكرامة.
في هذا السياق، جاء اقتراح ترامب ليقدّم صيغة جديدة لإدارة نهاية مؤقتة للصراع: وقف فوري لإطلاق النار، تبادل شامل للأسرى، انسحاب تدريجي لإسرائيل من غزة وفق مراحل متفق عليها، وربط أي مرحلة مستقبلية بفرض نزع سلاح حماس كشرط أساسي، إلى جانب تشكيل حكومة انتقالية وتكليف إدارة القطاع لهيئة "مستقلّة" من التكنوقراط. هذه الخريطة لم تخرج من إرادة فلسطينية توحيدية، بل صيغت وفق توازنات دولية وإقليمية تحمل بصمات الوصاية والسيطرة.
حماس، بعد سنوات من القصف والضغط المستمر، سلّمت جوابها إلى الوسطاء. الإعلان عن الرد تضمن موافقتها على إطلاق سراح جميع أسرى الاحتلال وفق صيغة تبادل مدرجة في المقترح، واستعدادها لمباشرة مفاوضات عبر الوسطاء لمناقشة التفاصيل، مع تجديد التزامها بأن تُناقش قضايا مستقبل غزة وحقوق الشعب الفلسطيني ضمن إطار وطني جامع، وأن تُسلّم إدارة القطاع لهيئة فلسطينية من "مستقلين" وفق توافق وطني ودعم عربي وإسلامي.
لكن قراءة هذا الموقف لا يمكن أن تكون سطحيّة. إنه قراءة تكتيكية لواقع ميداني انهار جزئيًا تحت حصار عسير وأنهار من الدم والدموع، وفي الوقت نفسه، تحوّل استراتيجي له آثار رمزية وسياسية عميقة:
أولًا، تحويل أفق الصراع من خيار المواجهة الساخنة إلى إدارة أمنية-إغاثية، حيث تُستعاد الحياة اليومية تحت شروط مراقبة وإدارة خارجية أكثر من كونها ممارسة سيادية حقيقية.
ثانيًا، قبول تبادل شامل للأسرى مكسب إنساني وسياسي لا يُستهان به، لكنه يرسّخ أيضًا منطق ترتيب ما بعد الحرب وفق رؤية لا تضمن استعادة كامل الحقوق ولا تُلغي بنية الاحتلال.
ثالثًا، التسليم بإدارة تكنوقراطية للقطاع يحمل في طيّاته خطر تحويل غزة إلى منطقة إدارة فنية بلا قرار سياسي، ما يضعف قدرة التجربة الوطنية على استعادة مسار سياسي مستقل.
وهنا يكمن التناقض الأخطر: التهدئة التي تخفف معاناة الحاضر قد تُعمّق فراغًا استراتيجيًا على المدى المتوسط. قبول بند نزع السلاح، حتى لو لم تُوقّع عليه الحركة بعد، يشي بشطب تدريجي للمقاومة كأفق سياسي ممكن؛ وإدارة التكنوقراط قد تحوّل الفلسطينيين من أصحاب قضية إلى "مستفيدين" من برامج إعادة الإعمار والإدارة الإنسانية. وهذا ليس تصالحًا حرًا مع الحق، بل ترتيب لإدارة نهاية مؤلمة لمشروع التحرّر.
مع ذلك، لا ينبغي تبسيط الموقف إلى إدانة بلا فهم. قرار حماس يحمل بعدًا إنسانيًا واقعيًا: وقف للقتل، دخول مساعدات، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة بشرية. لكن السياسة ليست لحظة إنسانية منفصلة عن الذاكرة والكرامة؛ فمدى تطبيق هذا الاتفاق —تفاصيل التبادل، ضمانات الانسحاب الفعلي، صيغ الحكم المؤقت، وشرط عدم تهميش القرار الوطني— هو ما سيحدّد إن كان القبول مرحلة انحطاط أم فرصة لإعادة ترتيب قوة سياسية قادرة على استعادة المسار التحرري لاحقًا.
فلسطين لا تختزلها خرائط التفاوض أو صيغ التكنوقراط. حتى وإن أُعيدت إدارة غزة على نحو مؤقت، تبقى فلسطين ذاكرةً لا تُمحى، وأفقًا لن يختفي طالما ظلّ هناك صوت يذكر الحق والكرامة. التحدي الآن هو تحويل القبول التكتيكي إلى فرصة لإعادة بناء إطار وطني جامع يضمن حقوقًا كاملة، ويمنع أن يتحول التوافق إلى لحظة تصفية رمزية. وإلا فإن هذا القبول، مهما حمَل من دوافع إنسانية، قد يصبح مدخلاً لتفريغ القضية من جوهرها التاريخي والسياسي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خلاف بشأن خيارات واشنطن العسكرية.. هل يحد نقص الذخائر من الت


.. أبعاد ودوافع المبادرة الإيرانية للوساطة مع المملكة العربية ا




.. الدفاع المدني السعودي يعلن إطلاق إنذار في الرياض


.. هل تستهدف إيران التأثير في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية




.. ساعة حوار | ارتباط عملياتي يربط تحركات الحوثي بتوجيهات الحرس