الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من يهدّد وحدة الأراضي السورية اليوم؟

حجي قادو
كاتب وباحث

(Haji Qado)

2025 / 10 / 4
مواضيع وابحاث سياسية


في مستهل الحديث، لا بدّ من تسليط الضوء على الحقيقة بوضوح وموضوعية.
السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه هو: من الذي يهدّد وحدة الأراضي السورية اليوم؟

بكل تأكيد، ليس الكُرد، ولا الدروز، ولا العلويون، بل السياسات الإقصائية والعنيفة التي ينتهجها النظام الحاكم، والذي يمارس سلطته المؤقتة عبر أدوات القمع والعنف والتطرّف الديني والتمييز القومي.

لقد رُوّج كثيرًا أنّ الكُرد يسعون إلى تقسيم سوريا، غير أنّ الوقائع التاريخية والسياسية تكشف زيف هذا الادعاء. فالكُرد كانوا من أوائل من واجهوا نظام البعث الاستبدادي، وثاروا ضد الديكتاتورية في انتفاضة عام 2004. ورغم ذلك، استمرّ تهميشهم لعقود طويلة، وتعرّضوا لسياسات ممنهجة هدفت إلى طمس هويتهم القومية، كان أبرزها حرمان عشرات الآلاف منهم من الجنسية السورية منذ ستينيات القرن الماضي، في واحدة من أوضح صور إنكار الحقوق الوطنية.

لقد خرجت المناطق الكردية عن سيطرة نظام الأسد في منتصف يوليو/تموز 2012، سواء عبر تفاهمات أو عمليات تحرير ميدانية، وهو أمر لا يقلّل من أهمية الحدث. فالمغزى الأعمق يكمن في أن أبناء المنطقة، وفي مقدمتهم الكُرد، شكّلوا قوى محلية لحماية مناطقهم وسكانها، تطوّرت لاحقًا إلى قوات شبه نظامية منظّمة. ومن رحم المعاناة ووسط الدمار، ولدت إدارة ذاتية أثبتت خلال السنوات الماضية قدرتها على البقاء والاستمرار رغم كل التحديات، ورغم ما شابها من أخطاء ومظاهر فساد وتقصير كبقية التجارب السياسية في العالم.

تمكّن الكُرد من خلال هذه الإدارة من فرض الأمن والاستقرار في مناطقهم، وحمايتها من الجريمة المنظمة والهجمات المتعددة، بل تصدّوا لأعتى التنظيمات الإرهابية التي اجتاحت المنطقة، وكانوا رأس الحربة في الحرب ضد تنظيم "داعش".

إنّ الكُرد ليسوا "ضيوفًا" في سوريا، كما يحاول بعض الجهلاء أو المتعصّبين ممن وصلوا إلى مواقع السلطة أن يصوّروا. فلو افترضنا، وفقًا للمفهوم الاجتماعي، أن للضيف حق الإقامة في بيت مضيفه ثلاثة أيام، فإن الكُرد يعيشون على هذه الأرض منذ قرونٍ طويلة سبقوا فيها قدوم العرب إلى المنطقة. لهم جذورهم التاريخية العميقة، وثقافتهم المتميزة، ولغتهم التي حافظوا عليها رغم كل محاولات الطمس والمنع.

أما العرب، فقد وفدوا إلى هذه المناطق على شكل قبائل رحّل، واستقرّوا تدريجيًا مع مرور الزمن. وحتى اسم "سوريا" نفسه ليس ذا أصل عربي، بل مشتق من "سورايا" أو "سورانية"، وهي تسمية تاريخية قديمة تعود إلى حضارات عريقة سبقت ظهور القومية العربية.

ورغم أن الكُرد يُعدّون من أقدم شعوب المنطقة، فإنّ الحكومات السورية المتعاقبة لم تحترم حقهم في تعليم لغتهم الأم في المدارس العامة إلى جانب العربية واللغات الأجنبية الأخرى. ولم يُعترف باللغة الكردية رسميًا في الدستور السوري، بل حُظر استخدامها في الحياة العامة، حتى في المناسبات الاجتماعية والأحاديث اليومية. كما مُنعت الحفلات والأعراس التي تُقام باللغة الكردية، في انتهاكٍ صارخٍ للحقوق الثقافية والإنسانية.

إنّ من يزرع التمييز ويُكرّس الإقصاء هو من يهدّد وحدة البلاد، لا من يطالب بالمساواة والعدالة والكرامة.
فسوريا لا يمكن أن تكون دولة موحّدة وقوية ما دامت تُقصي أحد مكوّناتها التاريخية، أو تُنكر عليه أبسط حقوقه في الهوية والانتماء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الجيش السوري يطالب القوات الكردية بالانسحاب من مناطق شرق مدي


.. تصعيد غير مسبوق شرق حلب.. ماذا يعني إنذار الجيش السوري لـ قس




.. حماس: استمرار استشهاد المدنيين بالبرد وانهيار المنازل يؤكد أ


.. دول أوروبية تستدعي سفراء إيران وموسكو تقول إن تهديدات واشنطن




.. عاجل | وزير الدفاع الإيراني يهدد باستهداف القواعد الأمريكية