الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حتى التنهيدة باتت جريمة أمنية

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2025 / 10 / 6
القضية الفلسطينية


أيها السادة المحترمون، في مقاهي المنافي المخملية، وعلى كراسي السلطة الوثيرة كالضمائر المستريحة، يا من تحكون عن الصمود بينما تبخر فناجينكم آخر ذرات القهوة بعيدًا عن رائحة البارود... اسمحوا لي أن أقدّم نفسي دون موسيقى الوطن أو تصفيق الجمهور: يسمونني عربيًا إسرائيليًا. نعم، هذه ليست نكتة، بل تشريح لغوي عجيب كأن تقول "جلاد رحيم" أو "شهيد بلا جرح". هوية نصفها يُعتقل إن نطق، ونصفها الآخر يُدان إن صمت. ولذا أنا أسمي نفسي الناجي الوحيد من النكبة الذي ما زال يدفع ثمن نجاته.
نحن يا سادة، أبناء الذين لم يرحلوا، لا لأنهم لم يجدوا سفينة، بل لأنهم لم يحبّوا الغرق. بقينا هنا مثل شجرة زيتون شاخت في ساحة ثكنة، تثمر رغمًا عنها وتُصفّق لها البنادق بدل النسيم. ظننا أننا نحرس الأرض، فاكتشفنا أننا في الواقع نحرس قبورنا المفتوحة سلفًا باسم القانون والنظام. الدولة ترانا كبثرة في جبين الديموغرافيا الأنيقة، وكجملة لا محل لها من الإعراب في وثيقة الاستقلال.
كل صباح، أغسل وجهي بماء "ميكوروت" الذي يسقي الزنزانة والجنّة في آنٍ واحد، وأتحلّى بقهوة تذوب فيها سكّرات "سوجات" وأوجاع التاريخ. أسير إلى عملي عبر طرق حفرها "الصندوق القومي الصهيوني" لا حبًا في الجغرافيا بل شغفًا في التطويق والحصار. صغاري يدرسون تاريخًا كتبه قلم مناوئ، فرسمني شخصية ثانوية ثم مسحني بالممحاة كي لا اموت في معركة. كل أوراقي من شهادة الميلاد حتى شهادة الوفاة مختومة بست زوايا تُدعى نجمة داوود. تحول الوطن إلى شركة مساهمة، ونحن فيها بنظام القطعة: نتقاضى أجورنا بالذل والفواتير والتنازلات، ويسمون هذا "الأسرلة"، وأسمّيه أنا "ابتلاعًا دون مضغ يليه تجشؤ مقرف".
يقولون إننا مواطنون كاملو الحقوق. يا سلام! كم هو ساخر هذا الاصطلاح! حقوقنا كرجلٍ يلبس عباءة المهرج: زاهية الألوان لا تستر شيئًا. نملك حق الصمت، وحق الابتسامة يوم الانتخابات، وحق التصفيق في جنازتنا الوطنية. ندفع الضرائب كي نمول رصاصة تخترق رأس قريبنا في جنين أو غزة، ثم يشكروننا على "مواطنتنا الصالحة".
في الماضي، كان العلم الفلسطيني قلوبنا المرفوعة على خشبة الغضب. نخبّئه كما تُخبّئ الأم طفلها في مجزرة، ونرفعه في المسيرات والمظاهرات فيرتجف الشرطي كمن يرى شبحًا. أمّا اليوم فقد تحول العلم الى ادانة تدمغ حامله وقد تبقيه خلف القضبان طويلا. يقولون إن العلم "يعكر صفو السلام". أي سلام؟ سلام المقابر الذي لا يزعجه إلا نشيد وطني؟
وأما "المقاومة" يا سادة، فاللفظ نفسه لم يعد شتيمة بل بات جريمة. نعم.. في معجم الأمم، فالمقاومة حقّ لكل من يرزح تحت نير الاحتلال. أما في معجم أسيادنا، فهي من الكبائر.. إنها الإرهاب بعينه. علينا أن نقاوم بالورد والياسمين، وأن نرد على الدبابة بقصيدة او برقصة. "قاوموا بالطرق السلمية" يهتفون بأصواتهم المعقّمة، وكأن الاحتلال نفسه جاء بدعوة وابتسامة ترحيب من كبار القوم.
ضاقت أنفاس اللغة حتى صرنا نتنفس عبر ثقوب الحذر. كل كلمة محسوبة كميزانية دولة. كل "لايك" قد يُفسر كتآمر، وكل تنهيدة كنداء. أن تقول "اشتقت لغزة" هي تهمة حبّ ممنوعة. أصبحنا نكتب بارتجاف، نسير على حروف الأبجدية كما يسير الساحر على الزجاج؛ نخاف من انكسار المعنى مثلما نخشى من سقوطنا في فخّ التأويل.
الهدف لا يحتاج إلى تحليل: يريدون أن نموت ونحن نوقع على الاستمارات. أن نرحل ونحن نملأ النماذج بخطٍ أنيق. أن نصبح ظلًّا طويلاً بلا جسد. التهجير عندنا لا يركب دبابة، بل ينتعل القانون. لا يصرخ، بل يبتسم خلف مكتب يوزع "مخالفات بناء" وديون بنكية. وخلافا لغزة، حيث يكتب التهجير بالنار، هنا يكتب بالحبر الأسود الممهور بختم رسمي. هناك تُهدم البيوت، وهنا تُهدم الرغبة في البقاء، والهدف واحد: إرحل..!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. زيلينسكي يطيح بوزير الدفاع وسط الحرب مع روسيا.. لماذا الآن؟


.. الكويت تعلن التصدي لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة معادية




.. الحرس الثوري الإيراني: قواتنا تسيطر على مضيق هرمز


.. تعرض ناقلة نفط لهجوم قبالة سلطنة عمان




.. الجيش الأردني يعلن تصديه لصواريخ إيرانية استهدفت أراضي الممل