الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين يصبح الفاسد قديسًا... جمهورية النزاهة الوهمية

بشار مرشد
كاتب وباحث

(Bashar Murshid)

2025 / 10 / 6
الفساد الإداري والمالي


في بلادٍ يتلو فيها الفاسد خُطبًا عن الأخلاق، وتُعلَّق فيها لافتات "النزاهة أولًا" فوق مكاتب مرتشية، لا يعود الفساد جريمة، بل أُسلوب حياة. فالمسؤول هناك لا يسرق سرًّا، بل ينهب علنًا بابتسامة رسمية، ثم يحدّث الناس عن حُبّ الوطن من على منبر مذهَّب، كأنه يوزّع دروسًا في الفضيلة لا تعليماتٍ في النهب.

الفساد هنا ليس حادثًا عارضًا، بل كائن حيّ يعيش بيننا. يتغذّى على ضعف القانون، ويتكاثر في دهاليز البيروقراطية. وحين يضيق عليه الخناق، يتقمّص هيئة "المصلح الشريف"، يغيّر جلده كلما اقتضت المصلحة، لكنه يظل الشيءَ نفسه: طفيليٌّ لا يعيش إلا في العتمة، ويختنق إذا أشرقت عليه شمس الشفافية.

في جمهورية النزاهة الوهمية، تبدأ السرقة بخطأ بسيط: "الجميع يفعلها"، "لن يلاحظ أحد"، ثم تكبر الطموحات: من توقيعٍ بسيط إلى عقدٍ مليوني، ومن رشوةٍ صغيرة إلى مزرعةٍ كاملةٍ من المناصب تُورَّث للأقارب. وحين يتجرأ أحد على السؤال، يكون الردّ جاهزًا: "هذه حملاتُ تشويه"، "نحن حماة الوطن"، و"الولاء أهمّ من الكفاءة".
وهكذا تتحول المؤسسات إلى مزارع خاصة، والمدير إلى إقطاعيٍّ حديثٍ يوزّع الوظائف كما يوزّع الجوائز. أقاربه في المكاتب العليا، وأصدقاؤه في اللجان، والمعترضون في بيوتهم "مُقصَون للصالح العام". الإقصاء هنا ليس عقوبة، بل إعلان فوز الفاسد بالجولة. فالموظف الشريف يُقصى، والفاسد يُكرَّم بشهادة تقدير على "جهوده المتميزة في تطوير الأداء الإداري".

أما الموظف العادي، فهو آخر من يشعر بأي "تطوير". يقف في طابور الراتب المتهالك، بينما يرى المديرين يشترون السيارات من أموال "نفقات الضيافة". يعيش حياةً يدفع فيها الفواتير، بينما الفاسد يعيش حياةً لا يعرف فيها ما معنى فاتورة، فالمال عنده كالهواء: لا يُدفع ثمنه.

المفارقة الكبرى أن أكثر من يتحدثون عن الشفافية هم أكثر من يتهربون منها. الخطاب الأخلاقي في هذه المنظومة يُستخدم كما يُستخدم العطر: لإخفاء الرائحة، لا لإزالتها. يتحدث المسؤول عن النزاهة بينما وراءه شاشةٌ تعرض إنجازاتٍ وهمية، والجمهور يصفّق لأن التصفيق لا يحتاج إلى تصريحٍ مالي.

ومع مرور الزمن، يفقد الناس حسّ الصدمة. يصبح الفساد طبيعيًا مثل الطقس: "اليوم رشاوى خفيفة على بعض الدوائر، وغدًا احتمالية اختلاس بنسبة 80%". لكن الطقس لا يُحاكَم، بينما الفساد — حين يتغوّل — يبدأ في أكل نفسه. فالولاءات التي بُنيت على المصلحة تنهار حين تجفّ الغنيمة. كلُّ واحدٍ يبدأ في نهب ما يستطيع قبل سقوط المزرعة.

في النهاية، لا يسقط الفساد لأن الناس اكتشفت الحقيقة — فالجميع يعرفها — بل لأنه لم يترك شيئًا ليُسرَق. وحين يُعلَن الإفلاس، يقف الفاسد نفسه ليقول بوجهٍ جادٍّ: "نحتاج إلى الإصلاح ومحاسبة المقصّرين"، ثم تُشكَّل لجنةٌ جديدة، ويبدأ العرض من جديد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مقتل 6 جنود تابعين لبعثة حفظ السلام إلى السودان بقصف معسكرهم


.. الداخلية السورية: قوات التحالف لم تأخذ التحذيرات باحتمال حصو




.. ميكو بيليد: غزة تدفع جنودا إسرائيليين إلى الانتحار


.. مراسلة الجزيرة ترصد تطورات حادثة إطلاق النار في جامعة براون




.. قتيلان وإصابات عدة جراء إطلاق نار في جامعة براون بولاية رود