الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مكارم الأخلاق والقيم عند الشعوب في عصر العولمة الحديثة
رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
2025 / 10 / 6
المجتمع المدني
في زمنٍ تتسارع فيه العولمة وتذوب فيه الخصوصيات الثقافية، يقف الإنسان أمام سؤال جوهري: هل يمكن للأمم أن تحافظ على أخلاقها وهويتها وسط زحف المادية الحديثة؟ لقد صار العالم قريةً واحدة تتشابه فيها المظاهر وتختلف فيها القيم، وتُقاس الحضارة بما تملكه الشعوب من تقنية لا بما تملكه من ضمير. ومع ذلك، ما تزال الأخلاق هي المعيار الأصدق لنهضة الأمم واستمرارها، فهي التي تحفظ للإنسان إنسانيته وللمجتمع توازنه.
لقد أثبت التاريخ أن الشعوب التي حافظت على قيمها رغم التحولات كانت أكثر استقرارًا وتماسكًا من تلك التي ذابت في تيار الحداثة. ففي المجتمعات العربية والإسلامية مثلًا، ما زالت مكارم الأخلاق — كالكرم والحياء والصدق والبرّ وصلة الرحم — تشكّل روح الحياة اليومية، وتستمد قوتها من الدين الذي يجعل من الأخلاق عبادةً ومن السلوك مسؤولية أمام الله قبل الناس. وفي المقابل، قدّمت اليابان نموذجًا آخر للالتزام الأخلاقي، قائمًا على الانضباط والاحترام والعمل الجماعي دون مرجعية دينية، فغدت الأخلاق هناك نظام حياة وواجبًا وطنيًا. أما المجتمعات الإسكندنافية، فقد بنت منظومتها القيمية على الصدق والمسؤولية واحترام القانون، وهي وإن ابتعدت عن الإيمان الديني، فإنها حققت نوعًا من الطهارة المدنية القائمة على الضمير العام.
تتعدد مصادر الأخلاق بين الدين والعقل، لكن كليهما يكمل الآخر. فالدين يمنح القيم قدسيتها ودافعها الروحي، والعقل يمنحها وعيها ومرونتها. وحين يجتمع الاثنان، يولد الإنسان المتوازن الذي يعرف أن الحرية لا تكتمل إلا بالمسؤولية، وأن التقدم لا قيمة له إن لم يكن محكومًا بالضمير. غير أن العولمة الحديثة، بما حملته من إعلامٍ متوحش وتكنولوجيا بلا حدود، أعادت صياغة المفاهيم الأخلاقية وفق منطق السوق والمصلحة. فالإعلام اليوم لم يعد ناقلًا للخبر بل صانعًا للرأي، يوجّه الذوق العام ويعيد تعريف الفضيلة بحسب ما تقتضيه أجنداته الاقتصادية والثقافية.
أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد منحت الإنسان صوتًا، لكنها سلبته سكينته. صارت “الإعجابات” تقيس القيمة، والمشاهدة تحدد المكانة، وغابت الحدود بين الحرية والانفلات. أصبح الجيل الرقمي يعيش في عالمٍ موازٍ تتلاشى فيه المرجعيات، ويتحول فيه الانحراف إلى أمرٍ مألوف عبر التكرار والتطبيع البصري. وهكذا انتقلت الأخلاق من الميدان الواقعي إلى الفضاء الافتراضي، حيث لا رقيب سوى وعي الإنسان.
وفي خضم هذا الانفتاح، تبرز الأسرة باعتبارها الحصن الأخير للضمير الإنساني. فالبيت هو المدرسة الأولى التي تُغرس فيها القيم، وإذا انهارت الأسرة انهار كل ما بعدها. كما أن التعليم والإعلام مطالبان اليوم بأداء دورٍ تربوي جديد؛ فالتقنية لا تُلغى، لكنها تُوجَّه. والتربية الأخلاقية يجب أن تواكب التطور لتصنع جيلاً رقميًا واعيًا لا منسلخًا.
إنّ العالم بحاجةٍ إلى نهضةٍ أخلاقية شاملة تعيد التوازن بين العلم والروح، بين العقل والضمير. فالإنسان اليوم يعيش وفرةً مادية وفقراً معنويًا، والذكاء الاصطناعي يتسارع بينما الذكاء القيمي يتراجع. لذلك، لا بدّ من مشروع عالمي قيمي، يقوم على ميثاق أخلاقي تتفق عليه الشعوب والأديان، يضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار، ويجعل من الصدق والعدالة والرحمة مبادئ مشتركة لا تخص حضارة دون أخرى.
الأخلاق ليست موروثًا ساكنًا بل طاقة فاعلة، وهي القوة الناعمة التي تبني الاحترام لا الخوف. وإذا كان العالم قد نجح في توحيد الأسواق، فعليه أن يسعى اليوم إلى توحيد الضمائر. فبغير الأخلاق، لا بقاء لحضارة، ولا معنى لإنسان. إن النهضة الحقيقية تبدأ من ضميرٍ يعي، وأسرةٍ تربي، وإعلامٍ يوجّه، وتعليمٍ يغرس، حتى يستعيد الإنسان بوصلته ويعرف أن التقدم بلا قيم إنما هو سقوط في ثوبٍ جميل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المقابلة | خالد محاجنة محامي هيئة الأسرى ونادي الأسير الفلسط
.. محكمة سودانية تصدر حكما بالإعدام على حميدتي و15 آخرين في قضي
.. العراق يتبنى مقاربة جديدة لمكافحة الفساد.. هل تنجح سياسة الت
.. تحذير من تزايد اعتماد الأطفال على الذكاء الاصطناعي.. اليونيس
.. اليونيسف تحذر من ارتفاع معدلات سوء التغذية بين الأطفال في ال